صادق ملاكنا الحارس (بقلم الحاج مجيد ثامر والد الشهيد صادق ثامر)

رسالة من والد الشهيد صادق ثامر الى ولده الشهيد بعد مرور اربعين يوماً على إعدامه من قبل السلطات السعودية داخل الأراضي السعودية

2023-07-10

مضى أكثر من أربعين يوماً على يوم الفاجعة. كنت أحاول أن أكتب عنك وفي كل مرة تضيع الكلمات ويخونني التعبير وأخشى ألاّ أوفيك حقك أيها الغائب الحاضر.

منذ رحيلك أشعر أنني فقدت الكثير من طاقتي، النفسية والجسدية والبدنية، فما عجزت عنه السنوات الثمان من كسر عزيمتي تمكن منه خبر قتلك ظلماً وعدوانا، وأشعر أن البركة والتوفيق سلبا مني بعد أن غادرت هذه الدنيا الفانية. حتى مع حكم الإعدام الأول الجائر بحقك والذي خارت به قواي وسقطت على الأرض، كنتُ دائمَ الأمل بأن يوم خلاصك آتٍ لا محالة، وزاد الأمل أكثر مع المساعي الحثيثة هنا وهناك والوعود ومع التغيرات الإقليمية المتسارعة.

ومع الاتصال الأخير الذي سبق نبأ رحيلك بخمسة أيام ونحن في طريقنا إلى مكة لأداء عمرة ذو القعدة كانت كلماتك الأخيرة أكثر تفاؤلاً ومازالت ترن في أذني “ابشروا بالخير إن شاء الله الفرج قريب وسوف أخبركم بالزيارة القادمة”. كانت الزيارة بعد 8 أيام من يوم الفاجعة، وللأسف فجعنا بك قبل يوم الزيارة. وحتى الاتصال الأسبوعي (يوم الأربعاء) لم نتحصل عليه لنودعك الوداع الأخير، وما كانت الإجراءات التي ظننتم أن فيها فرجا لكم إلا إجراءات غدر لإزهاق أرواحكم.

صرت أتحاشى الجلوس بمفردي لأني بمجرد أن أكون وحيداً أراك في وجهي ولا شعورياً أفقد السيطرة على نفسي، وما رحلة مشهد مع والدتك بعد ختام الفاتحة إلا محطة أَنِسَتْ بها نفوسنا بجانب أنيس النفوس (ع)، ومع هذا لم يمر يوم إلا وتساقطت الدموع حسرة عليك. حتى ونحن على الوجبات كان البعض ممن لا يعرفوننا يتساءلون ما خطب هؤلاء دموعهم جارية وهم على وجبات الطعام؟!

وأتى موسم الحج بعد زيارة مشهد مباشرة، وحاولت جاهداً أن أشغل نفسي طوال اليوم لأتناسى ولا أنسى، وساعدني بعض الأحبة جزاهم الله خيرا في أن لا أكون وحيداً، ومع هذا مررت بأوقات افتقدتك فيها وبكيت عليك حرقة وألما.

كنت الملاك الحارس لهذا البيت الذي خيم عليه الحزن ثمان سنوات وفجع بك أيما فجيعة. كنت السد المنيع للجميع، حتى وأنت مغيب بعيد عنا كنت الملجأ والملاذ، صحيح كنت أنا أباهم ومستشارهم ومرجعهم الأول وبي يبدؤون وأعطيهم مشورتي ولكني أطلب منهم الرجوع إليك في يوم الاتصال أو يوم الزيارة. كنت المتابع لهم في مشوارهم الدراسي وتحثهم على المثابرة والتفوق وتتابع كل أمورهم بدقة متناهية.

من عادة الابن أن يفتخر بأبيه ويتشرف بحمل اسمه، وعندما يسأله أحدهم “منو أبوك؟” فيقول فلان فيأتي الرد والنعم بارك الله فيك وفي أبيك فيفرح الابن بذلك، أَمَا والآن بعد استشهادك أصبحت أنا من يحمل اسمك وأتشرف وأعتز به، فكل من عرفني يناديني “أبو الشهيد”، ونهنيك بابنك صادق فلقد رفع رؤوسنا عالياً، أصبحت أحمل اسمك ولا تحمل اسمي وأفتخر بك أكثر مما تفتخر بي.

حملت همومنا ومشاكلنا وأنت في السجن، وكل ما حدث أمر ما كنت أنت الحكم فيه، وكل منا إذا وصل إلى طريق مسدود قال: “سوف أخبر صادق”، حتى أنا أبوك عندما أحتار في أمر ما مع أحد أخوتك وأصل إلى طريق مسدود أخبرك بأقرب زيارة وتقوم بالواجب وتبادر في حل ذلك الأمر وينتهي ونحن في الزيارة، وكنت كذلك وأنت بالبيت قبل غيابك عنا في 15 مايو 2015.

كنا نتسابق للتحدث معك يوم الاتصال الأسبوعي كل يوم أربعاء وكل واحد منا يطلب المزيد من الوقت لصالحه، خصوصاً أنا ووالدتك، كنا في عراك على من يتحدث معك أكثر وأنت تسمع وتضحك فرحا مسرورا وتقول لوالدتك “وين أبي؟ اليوم ما كلمته واجد”. بدورها تغتاظ أمك وتقول لي “ما كلمت ولدي خذيت الوقت كله لك”، والآن فقدنا حتى ذلك الإتصال وما بقي إلا تسجيلاتك القليلة نتسلى بها بين حين وآخر.

لم تنسَ جميع المناسبات الدينية والاجتماعية فقد كنت تهنئ وتعظم الأجر لنا في كل المناسبات، حتى تاريخ وفاة كميل لا تنساه، في كل عام كنت تطلب توصيل السلام إلى والدته وتوصيها بقراءة الفاتحة على قبره نيابة عنك، أعياد ميلاد أخوتك تتذكرها واحداً واحدا وكذلك مواليد أولادهم، بل زدت على ذلك أنك تتذكر مواليد أصحابك في كل عام وتخبرنا التاريخ الفلاني عيد ميلاد فلان والتاريخ الفلاني عيد ميلاد فلان، أوصلوا سلامي لهم وهنئوهم وأحيانا تطلب الاتصال بهم لتبارك لهم شخصياً. حتى عندما يتزوج أحدهم أو يرزق بمولود تطلب الاتصال بهم لتبارك لهم، الأعياد الخاصة بالأسرة كنت توصي أخوتك بشراء الهدايا لي ولوالدتك وتوصيهم علينا دائماً، كنت الوصول مع الجميع وزياراتك العائلية لا تنقطع.

طول السنوات الثمان كانت والدتك تظهر محبتها البالغة لك أمام أخوتك ليس لأنك في غربة بل لتعلقها الشديد بك لأنك المميز والحنون. وكنت ألومها على ذلك حتى لا تحدث فجوة بينك وبين أخوتك وفي داخلي أقول أليس لها حق في ذلك؟! لم أفصح أمام أخوتك بذلك الأمر يوماً وأخذت أمرا وسطياً للحفاظ عليهم واحتضانهم، والآن بعد رحيلك أقولها وأخوتك يشهدون على كلامي يؤيدونه، أنت منذ صغرك شققت طريق النجاح لوحدك دون مساعدة منا، لم تعتمد علينا منذ الصف الأول حتى تخرجك من الجامعة كنت وحيداً ومثابراً، بذلت كل جهدك لتكون أول جامعي بالبيت وبدرجة أفرحتني جداً رغم ما تعانيه في اللغة الإنجليزية ومع هذا تفوقت على نفسك وبلغت الغاية والهدف المنشود.

بعد توقيفك في ذلك اليوم المشئوم لم أستطع حتى دخول صالة طعام المأتم، وخلال السنوات الثمان دخلتها قهريا لمرتين أو ثلاثة إما لزواج أحد أخوتك أو أحد أقاربك، لا أنسى ما تقوم به في كل مناسبة بعد قدومك متأخراً من المسجد مع جعفر، لا تدخل صالة الطعام إلا وبرتقالتين مقشرتين في يدك فتقبل رأسي وتعطيني واحدة والثانية لك، هذا الموقف أراه مثل الشريط في كل مرة أحاول فيها دخول الصالة، فكان من الصعب علي دخولها ولا أراك فيها.

كل المدرسين الذين مررت عليهم لم ينسوك وكانوا يشيدون بك ولم أذكر طوال هذه السنين وصلتني شكوى من أحد المدرسين بخصوصك، حتى في اليوم المفتوح في كل عام كان غالبية المدرسين يقولون “ما يحتاج تسأل عنه”، صادق مميز دراسياً وخلقياً والجميع ما زال يثني عليك ويتأسف لرحيلك.

كنت الطالب المميز والإداري والمعلم في المؤسسة الإسلامية حتى يوم اعتقالك، كنت أرى نفسي فيك فكنت تشبهني في كل ما تقوم به من أعمال تطوعية وصورك شاهدة على ذلك، كنت مواظباً على صلاة الجماعة وفي الصفوف الأولى، والسباق في حضور جميع فعاليات المؤسسة والمشاركة فيها، وأراك بأم عيني تسجد السجدة الطويلة من بداية دعاء كميل وحتى نهايته وكلي فخر واعتزاز بأنك ابني وتحمل اسمي. في ظل كل المغريات والانفتاح لم تمل عن طريق الصواب، وفي البيت مع منتصف الليل عندما نسمع صوت باب غرفتك وباب حمام الصالة نعلم بأنه حان موعد صلاة الليل.

كنت المحبوب حتى وأنت في سجنك وكل ما كنت ترويه لنا في الزيارات من محبة سجانيك أو من كان يشاركك الزنزانة إلا دليل على نبلك وسمو أخلاقك، حتى الأجانب بتلك الزنزانة تعلقوا بك وأنسوا صحبتك، وكل ما أخبرتنا بأن هناك نزيلا جديدا مقطوعا ما عنده أحد كنا نقول لك لا تقصر معه حتى لو احتجت لفلوس أكثر، لا تتردد، كنت تقول “لا تحاتي أبي، الخير موجود وأنا قايم بالواجب”، وأنا ووالدتك على علم بأنك تقصر على نفسك في سبيل غيرك وتخبرنا في كل مرة “سامحوني كلفت عليكم”. حتى المبالغ التي جمعتها من عملك كنت تقول: تصرف بها فأنا لست بحاجة لها الآن، فقط أخرج الحق الشرعي منها وكأنك طلقت الدنيا وتعلم بمصيرك، ومنها كنت تطلب مني أن أدفع لأخوتك هدايا زواجهم ومبالغ لمواليدهم.

في الزيارات الأخيرة كنت تقول لوالدتك “أماه بتصيحين عليي لو استشهدت؟” وكقلب أم كانت ترد عليك “ما نبغيك تستشهد واقعد مكانك”، فترد عليها “أماه بتصيرين أم الشهيد والناس بتناديك بهالاسم” فيضايقها الكلام لأن روحها معلقة بك بل أرواحنا كلها معلقة بك، وها قد تحقق ما كنت تتمناه ونلت الشهادة وأصبحت أمك وأبوك وجميع أخوتك وأهلك وأهل قريتك وكل من عرفك يفخرون بك ويذكرونك بخير فأنت باقٍ لم ترحل وستبقى العلامة المميزة في أسرتنا. والحمد لله أن أصبح في عائلتنا شهيد نواسي به مولاتنا الزهراء (ع) في مصاب ابنها الحسين (ع).
بادرت وسعيت للحصول على وظيفة وتدربت بالبيئة “الثروة السمكية” وكنت تخرج مع صلاة الفجر أو قبلها لاستقبال صيادي الأسماك لعمل الإحصاء اللازم حسب تخصصك وفرز الأسماك وأنواعها وكمياتها، لم تمل ولم تتردد في يوم من الأيام، وأنهيت تدريبك ولما لم تحصل على الوظيفة أبيت أن تجلس بالبيت فعملت في مؤسسة جدك لأمك (الثامر التجارية)، وفور استلامك للراتب رفضت أن تأخذ مصروفك البسيط مني ولما ألححت عليك أرجعته بطريقتك الخاصة دون أن أشعر. كنت تقوم بشراء بعض مستلزمات البيت، كنت تتصل على والدتك وتسألها إن كانت تحتاج إلى أغراض وكنت تشتريها من ذلك المصروف بل تزيد عليه من مصروفك الخاص.
وقت تخرجك وحصولك على رخصة السياقة اشتريت لك سيارة لتذهب بها للتدريب بعدما كنت أوصلك بنفسي كل يوم ولكنك فضلت أخوتك على نفسك، أصريت على استخدام السيارة القديمة بدون تكييف وتركت السيارة لأخوتك ليستخدموها، حتى راتبك البسيط كنت تساعد به والدتك وأخوتك دون أن أعلم، وفي كل شي كنت تفضلهم على نفسك.

منذ المرحلة الإعدادية كنت تصوم رجب وشعبان من كل عام وكنت أشفق عليك، وكل ما رأيتك راجعاً من المدرسة أو أيام الجامعة أو العمل كنت أرى أثر التعب عليك ولكنك تصر على مواصلة الصيام في كل عام، حتى وأنت سجين لم تتخلّ عن هذا الأمر فأسأل لك القبول بجاه النبي وآله، وما المدة التي قضيتها بغربتك إلا تنقية لنفسك وتحللت من كل مغريات الدنيا وغرورها.

الاخبار ذات الصلة