كيف نحلق مع أبنائنا في رحلة الى السماء؟

إن العملية التربوية ليست سلبية بالاساس، وأن الطفل ليس مصدراً للمتاعب ومدعاة لبذل الجهود المضنية فقط، وهو التصور السائد لدى الكثير من العوائل

2023-09-10

محمد علي جواد تقي

كما هي حواس الطفل الحديث الولادة يستشعر أمه الى جانبه، ويتحسس ضربان قلبها وحرارتها بحكم علاقته اللصيقة طيلة الأشهر التسعة من وجوده في بطنها، فان روح الطفل في السبعة الاولى والثانية من العمر تهفو الى قيم الخير والفضيلة، والى الحب والحنان، فنفسه صفحة بريئة بيضاء، وقلبه ناصعٌ كالثلج، وعندما ينطلق لسانه لن يلهج بالكذب مطلقاً، ولا يعرف الكراهية والحقد والمشاعر السلبية، يتحدث بما يراه او يسمعه.

وهذه هي الفطرة بعينها التي أودعها الله تعالى في نفس كل مولود من ابناء البشر منذ أبينا آدم والى يوم القيامة، وقد أعلنها رسول الله، صلى الله عليه وآله: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة”، وهو المبدأ الذي بشّر به العالم لأول مرة، ويتمنى كل أب وأم الاحتفاظ بهذه النقاوة والطهارة في ابنائهم مع تقدمهم في العمر، حتى يكونوا مبعث فخر واعتزاز في المحيط الاجتماعي.

السؤال عن كيفية تحقيق هذه الأمنية قديم جديد، وهو سؤال كبير لكن ليس بعسير اذا ما توفرت الشروط والعوامل المساعدة في الأبوين، ثم في المحيط الاجتماعي مع جملة المؤثرات الاخرى والمعروفة في أمر تربية الطفل.

 

الأبوان وضرورة مراجعة الحسابات
عندما نجد الأم والجدّة بحجابهما الكامل، بينما البنت بمظهر مختلف تماماً، أو نجد الأب ملتزماً بالفرائض الدينية كالصلاة والصيام، بينما الابن يتكاسل ويتهاون، واحياناً يشكك في الجدوائية، فهذا مؤشر خلل واضح ليس في الاولاد وإنما في الوالدين اللذين يريدان ان يكون الاولاد مصلين صائمين ومهذبين دون عناء منهما، وهذا أمر غير منطقي بالمرة.

ثمة إشكالية تربوية تعاني منها معظم العوائل، عندما يتصور الكبار تحت عنوان؛ الأب والأم، وايضاً؛ الأخ الكبير، والأخت الكبيرة، وسائر الكبار في الأسرة، بأنهم يفترضون الطفل نسخة منهم، ما عليه سوى الطاعة والتفاعل مع ما يقومون به من تصرفات وسلوكيات، وتتحول هذه الاشكالية الى أزمة متفاقمة عندما يتعلق الأمر بالالتزامات الدينية وتصور الكثير بأن الطفل عليه أن يستنسخ ما يقوم به الكبار من أدائهم للفرائض الدينية، او المشاركة في مراسيم الزيارة للمراقد المقدسة –مثلاً- او التقيّد بنوع خاص من الملابس، او طريقة الكلام وغيرها من انماط السلوك والتفكير ايضاً.

هذا النوع من التفكير فضلاً عن انه يكلف الكبار جهداً وعناءً بتلقي ردود الفعل السيئة، فانه يحرمهم أجواء اللطف والحب والمودة التي يفترض ان ينعموا بها مع الاطفال، و ربما تكون المرحلة الأخطر بخسران الاطفال مادياً ومعنوياً، وقد بحث العلماء والخبراء في منهج التربية الناجحة، وضرورة اتخاذ الوالدين والكبار في الأسرة خطوات عملية لتعزيز العلاقة بينهم وبين الابناء، ومنهم؛ المتخصصة في الارشاد النفسي والتربوي والكاتبة البحرينية؛ فاطمة الخاقاني التي تحدثت عن “مفاتيح بسيطة لابد من التعرف عليها وامتلاكها” لتحقيق افضل النتائج في أمر التربية، وذكرت في كتابها “الامن التربوي للطفل” عدة نقاط في هذا السياق جديرة بالتأمّل، منها:

1- إن العملية التربوية ليست سلبية بالاساس، وأن الطفل ليس مصدراً للمتاعب ومدعاة لبذل الجهود المضنية فقط، وهو التصور السائد لدى الكثير من العوائل، لاسيما التي تميل الى الاعتقاد بقلة الانجاب استناداً الى هذا التصور الذهني، والبعض راح يتحدث عن قلة الاولاد في العائلة “مصلحة الطفل نفسه”.

لذا يجب الاستعداد الكامل مادياً ومعنوياً للمولود الجديد، والتفكير دائماً بالاحتمالات السيئة في السبع الاولى من عمره، وتزداد الشكوك والمخاوف في السبع الثانية، متناسين مبدأ الفطرة السليمة التي يحملها الطفل الذي يأتي الى الحياة، دون معرفة منه بالظروف والاوضاع من حوله، بينما “من مقضيات الايمان بولادة الانسان على الفطرة الاعتقاد بان الله قد منح الطفل من الملكات الفطرية والقدرات الاولية ما يؤهله ليسير في رحلته في هذه الدنيا على هدى وصواب، وبهذا التصور يتحدد نوع تدخلنا في كيانه، والذي تجلى في وظيفة محددة هي: الانضاج والتنمية، لا التقويم والتسوية”.

فعندما يشعر الطفل في مرحلة نمو مداركه العقلية ومشاعره بانه سبب لشغل البال، والقلق، ومختلف المشاعر السلبية، ما الذي سيجذبه الى الكبار من حوله لتنفيذ ما يطلبون منه بقناعة وحب وتفاعل؟ وإن فعل، فمن المؤكد من منطلق الترضية، وتجنب غضبهم عليه، واحتمال صدور عقوبات لفظية او جسدية، ومن تلك الاعمال؛ الفرائض الدينية والاعمال العبادية، وحتى الالتزام بالأحكام والضوابط الدينية.

2- إعادة النظر في التعامل مع حالة الرفض لدى الطفل بما يطلق عليه بـ “العناد”، علماً أنه يعود لمفردة من العربية الفصحى، بيد أن المفارقة في اعتماد المجتمع على المفردة الفصيحة في الاتجاه السلبي إزاء الطفل “العنيد” والمزعج بالنسبة اليهم.

وقد عَني علماء التربية بهذه الجزئية عادين هذه الحالة “دليل على السلامة النفسية”، وانه نوع من النزوع نحو الاستقلالية اكثر مما هو رغبة في المخالفة، ويقولون أن الطفل في مراحله العمرية الاولى يبقى يحمل معه مشاعر الارتباط بأمه، والتي تعود الى فترة الحمل، “وحينما يشرع في إدراك الاشياء من حوله ينتابه إحساس أنه عضو من أعضاء أمه، تماماً مثل يديها او رجلها، تحركه كيفما ارادت، غير ان هذا الشعور يتعرض لأحداث بسيطة تشوش هذا الاعتقاد عند الطفل، مما يحدو به الى اختباره، وتكون الوسيلة الوحيدة للاختبار هن عدم الاستجابة (العناد).

بما يعني أن عدم الاستجابة من الطفل هي حالة نفسية داخلية تحتاج لتفهّم دقيق من الوالدين، ومحاولة معالجتها برفق، وأن يعتقدوا “أن كرامتهم غير مستهدفة من قبله”، إنما هو اختبار لما يحيط به، فاذا تيقن بحسن الاشياء وقربها الى نفسه وقلبه، فمن المؤكد سيتغير موقفه إزائها وإزاء قرارات الوالدين.

3- يعتقد البعض أن بالامكان إقناع الطفل بمفهوم الزمن لديهم، والذي يصفه العلماء بـ “الزمن الاجتماعي”، بينما الطفل يستشعر “الزمن النفسي”، وهو الذي يتسبب بنوع من الاضطراب في التعامل، وإصدار الاحكام القاسية التي لا يفهمها الطفل بخصوص الزمن وضرورة الاستفادة منه في أمور مفيدة كما يراها الكبار، في حين إن “الزمن الوحيد الذي يعمل الطفل وفقه هو الزمن الذي يحسّه حسب متعته وألمه، فاذا كان مستغرقا في اللعب فانه يعتقد في قرارة نفسه ان الكون كله سيتوقف احتراماً لتمتعه بعمله، فلا يحق لأحد ان يشوش عليه متعته -حسب احساسه-.

ولذا يوصي العلماء الوالدين قبل أن يفكروا بكيفية تأهيل الطفل لإدراك الزمن الاجتماعي، والاهتمام بالجزئيات المعروفة، من ساعات ودقائق وثواني، عليهم مساعدة الطفل على الخروج من زمنه النفسي تدريجياً، وذلك من خلال مراعاة وقت اللعب وعدم اقتحامه فجأة، كما يحصل عند البعض عندما يطفئون جهاز التلفاز او ينتزعون الالعاب الالكترونية فجأة بدعوى التوجه الى الصلاة –مثلاً- او الى أمور أكثر نفعاً وفائدة، وإنما اختيار فترة نصف ساعة قبل موعد الأذان –مثلاً- ليتسنّى للطفل الانتهاء من لعبه ولهوه تدريجياً ويتوجه الى الأمر الآخر. واذا كان بالامكان مشاركته لعبه –وليس بالضرورة دائماً الالعاب الالكترونية- ومشاعره بالمتعة فهو يُعد عامل ضخ للثقة والاحترام.

إن مراعاة الجانب النفسي في العملية التربوية يعد من أهم شروط النجاح في تخريج جيل ملتزم مفعم بالإيجابية والايمان، ولعل الشواهد الكثير من سيرة النبي الأكرم، وأمير المؤمنين، وسائر الأئمة الاطهار حول هذه المسألة تحديداً تكون دليلاً على أهمية هذه الجزئية في مسيرة التربية على القيم الدينية والاخلاقية. فالطفل عندما يولد يحمل معه منظومة متكاملة من المشاعر والاحاسيس تواكب سني حياته، فلابد من تفهمها بشكل جيد من الكبار ليحصلوا على النتائج الرائعة من أولاد رائعين، لا يألون جهداً في القيام بكل ما هو حميد ومفيد.

 

الصلاة حبٌ وإيمان
في سورة لقمان ثمة التفاتة تربوية رائعة من صاحب هذه السورة، وهو ذلك الرجل الحكيم الذي لم يكن نبياً ولا مرسلاً من السماء، بل كان مصلحاً اجتماعياً وداعية للأخلاق والسلوك الحسن، فهو لم يوجه خطاب الأمر بشكل مباشر لابنه لتعليمه مسائل العقيدة والاحكام والآداب، وإنما قال: {لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ}، علماً أن طاعة واحترام الوالدين والاحسان اليهما جاءت في سورة أخرى مقرونة بالتوحيد، {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، (سورة الإسراء،23)، كما جاء هذا الاقران في ثلاث سور أخرى في القرآن الكريم.

فمن حيث القاعدة العامة وتأسيساً للمبدأ الثابت، فان الاحسان للوالدين والتعامل معها بالمعروف وطاعتها في مرضاة الله، يكون مقروناً بعبادة الله الواحد الأحد، بما يعني أنهما لا يفترقان من الناحية التشريعية، فالولد العاقّ –مثلاً- تترتب عليه أحكام شديدة منها الحرمان من الإرث، وآثار كثيرة اخرى، ولكن! عندما يكون الحديث عن العلاقة المباشرة بين الأب وابنه فان القضية تختلف تماماً، وتتحول من فعل الأمر الى صيغة الحال والمستقبل تحت عنوان الموعظة التي تتضمن دلالات التفهّم والرفق والمودة، فاذا نجح الوعظ مع الابن فانه بالقطع واليقين سيتلقى القاعدة الاساس في علاقته مع الوالدين على أنها مصدر كل خير يبحث عنه في حياته.

والصلاة كفريضة دينية تمثل “عمود الدين”، الى جانب سائر الفرائض والاعمال الواجبة والمستحبة اجتماعياً ودينياً، تمثل لنا نحن الكبار أمور أساسية، نسعى للحفاظ عليها، بل وتكريسها في حياتنا، وهذا الشعور من الممكن جداً نقله الى نفوس اطفالنا اذا اقترنت هذه المسائل الكبرى بالحب والودّ والاحترام، فكما نلاحظ الطفل يحترم ألعابه في صغره، ثم يحترم ويهتم بمقتنياته في المراحل العمرية المتقدمة، وربما منها الالعاب الالكترونية، علينا أن نعرض عليه الصلاة والصيام وسائر الالتزامات بنفس الاحترام حتى يتعلم هو احترام ما نطلبه منه، لأنه سيأخذ هذه الاعمال والافعال بإيمان قلبي عميق، وبنفس مطمئنة وراضية، وهذا لن يكون إلا عندما نحترم الصلاة وما يترتب عليها من أحكام وآثار اجتماعية ونفسية وحتى تكوينية، بحيث نجسد الآية الكريمة: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، (سورة العنكبوت،الآية45).

فالحديث عن الأمانة والصدق واحترام حقوق الناس لن يسكن في قلب الطفل اذا كان مشوباً بالتناقض، كما يحدث في توجيه الطفل بالكذب على الجيران بعدم وجود الأب في البيت، او التطبيع على أكل الاطعمة المستوردة المشبوهة، او ممارسة أفعال يراها الطفل بعين الفطرة السليمة أنها تخالف الدين والاخلاق، مثل التعالي على الناس، والغرور، وحب الظهور والإطراء من افراد المجتمع.

إن الاعمال العبادية والسلوك الحسن والصفات الحميدة، كلها ذات أبعاد روحية قبل ان تكون نشاطات بدنية أو حتى تحريك اليد الى الجيب وانفاق المال للفقراء والمحتاجين، فهي تحتاج الى روح نابضة تضخ فيها المصداقية الواقعية لتكون مهيئة للانتقال سريعاً الى نفس الطفل الذي سيتقبلها بقبول حسن مبعثه الايمان، بل وسيكون من أكثر المدافعين عنها في حياة الوالدين وبعد مماتهم.

الاخبار ذات الصلة