العمل التطوعي في العالم العربي … بين ضروراته وغياب ثقافته

يجب التفكّير مليّاً في أفضل السبل نحو مأسسة العمل التطوّعي وإلى تفعيل ثقافة التطوّع وتشجيع البحوث حولها، ونشر مراكز خاصة للتأهيل التطوّعي وغيرها الكثير من الاستراتيجيات الهادفة إلى جعل التطوّع عنصراً بالغ الأهميّة في المجتمع العربي

2023-10-09

العمل التطوعي ممارسة إنسانية عرفته المجتمعات الإنسانية منذ القدم، لأنه ينطلق من إنسانية الإنســان، والشعور الإنساني هو الدافع الرئيس في أي عمل تطوعي ، فالتطوع هو ما ينبع من ذات الإنسان وباختياره من دون أي إلزام عليه ؛ في حين أن الأعمال التي تنجز بعنوان الواجب لا تعد أعمالاً تطوعية ، لأن الأعمال التطوعـية هي التي تكون بدافع إنساني واختياري وبحوافز دينية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو حتى دعائية.

 

وفي الثقافة الإسلامية حظي العمل التطوعي بمكانة عالية من الاهتمام؛ إذ نجد الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة التي تحث علـى كفالة الأيتام، ومساعدة المحتاجين والمعوزين والفقراء، ومد يد المساعدة للعاجزين والمعوقين، والمساهمة في التعليم ونشر العلم ، والحفاظ على البيئة ، والمشاركة في العمران والتطوير، وتقديم يد العون للناس في المجالات كافة في الإسعاف والطبابة والإنقاذ من الكوارث كالزلازل والفيضانات، وفي تنظيف الشوارع والشواطئ وغرس الأشجار وترميم الطرقات والبيوت وتجميل العمارات، والعمل إلى آخر ما هنالك من مجالات متعددة ومتنوعة للعمل الخيري والتطوعي .

 

ولا تكتفي ثقافة العمل التطوعي في الإسلام بالحث والتحريض على ذلك، بل تجعل من عمل الخير مصداقاً من مصاديق العبادة ، ومع كل ما تمتلكه ثقافة التطوع في الإسلام من مخزون ثقافي وقيمي محفز ودافع للانخراط في مجالات العمل التطوعي إلا أن الملاحظ في مجتمعنا هو تدني الـتفاعل مع مجالات العمل التطوعي ومؤسساته ولجانه.

 

العمل التطوعي بين الخيري والتنموي

 

يشهد العالم العربي، نشاطاً ملحوظاً للقطاع الأهلي التطوّعي، وإن بتفاوت بين بلد عربي وآخر. وقد لاحظ تقرير”المنظمات الأهلية العربية”، أن المنظمات الأهلية العربية تشكّل قوة اقتصادية كبرى من منظور حجم إنفاقها على مشروعاتها، وأن القطاع الخيري الأهلي قطاع ثالث إلى جانب الحكومات والقطاع الخاص. ولكن، على الرغم من هذا النشاط، وفي ظلّ غياب سياسات واستراتيجيّات واضحة وممنهجة للعمل التطوّعي والخدمة العامة، لا يزال الشباب من سنّ 15 حتى 30 سنة أقل فئة مهتمة بالتطوّع، ولا تزال الجهود التطوّعية بشكلٍ عام دون المستوى المطلوب.

 

واقع العمل التطوعي في مصر

 

بشکلٍ عام هناک نقص في البحوث الجيدة والبيانات حول التطوع في مصر، إذ لا يتوفر تقرير واحد عن أعداد المتطوعين في مصر والقطاعات التي يتطوعون بها، ويُشکل عدم وجود بيانات موثوقة تحدياً کبيراً لاستمرار مشاريع ومبادرات العمل التطوعي وتوسيعها.

 

ووفقاً لتقرير حالة التطوع في العالم الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين عام 2018 تحت عنوان “الرابط الذي يجمعنا”، فإن إجمالي عدد المتطوعين في مصر يصل إلى (1,729,734) متطوع. ووفقاً لتلک الأرقام فإن نسبة المشارکين في التطوع لا تتجاوز 2,85 % من تعداد السکان فوق 15 عام. کما تنخفض نسبة العمل التطوعي الرسمي بشکلٍ هائل مقارنة بالعمل التطوعي غير الرسمي، إذ تبلغ واحد في المئة من العمل التطوعي غير الرسمي .

 

أسباب ضعف العمل التطوعي

 

من أبرز الأسباب التي تمنع الشباب عن المشارکة المجتمعية،هي البطالة، والضغوط الحياتية، وعدم وجود فرص تناسب اهتمامات الشباب، إضافةً إلى عدم اهتمام الشباب بالمشارکة، وتُظهر هذه الأسباب وبنسبة ملحوظة عدم وجود مانع واضح أمام الشباب لعدم تطوعهم، بالإضافة إلى أن التعلل بالبطالة لا يُعد سبباً قوياً في منع الشباب عن التطوع، إذ أن البطالة تعني أن هناک أوقات فراغ أکبر يمکن استثماره في التطوع، بالإضافة إلى أن المشارکة في الأعمال التطوعية يُساهم في دعم المعارف والخبرات الشخصية، ويعزز من فرص الحصول على فرصة عمل مدفوع الأجر.

 

هذا وتنظر الدولة للعمل التطوعي باعتباره نشاطاً خاصاً بالمنظمات الأهلية، مع عدم وجود إدراک کافي بالقيمة الاقتصادية التي يمکن أن تعود على الدولة عبر تشجيع العمل التطوعي، وإمکانية المساهمة في تدعم خطط الدولة وبرامجها.

 

العمل التطوعي في فلسطين بين الماضي والحاضر

 

لقد تعرض الشعب الفلسطيني لكثير من الحروب والويلات والثورات المتتالية، وكان لزاماً على أبناء الشعب الفلسطيني خلق أشكال من النضال والتكافل الاجتماعي التي تمكنه من الصمود والبقاء في الأرض، فكان العمل التطوعي هو الوسيلة الأنجع لتحقيق ذلك، لذلك اتخذ العمل التطوعي في فلسطين في جميع مراحله واجهة العمل السياسي الوطني، فارتبط بعملية مقاومة الاحتلال على مدار تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث والمعاصر، فقد ارتبط ذلك بالبعد القومي العربي في نهاية العهد العثماني، وارتبط بالبعد الوطني والاجتماعي في عهد الانتداب البريطاني، وبعد النكبة وبعد تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية تركز العمل التطوعي في مجال التجنيد العسكري للطلبة والشباب من أجل الدفاع عن الوطن.

 

ولكن بدأ العمل التطوعي المنظم في فترة السبعينيات، وكان لبروز وتطور العمل التطوعي في تلك الفترة أثره الفعال ودوره الكبير في تعميم ثقافة التطوع وقيمة التعاون والعمل الجماعي، ساعد انتشار العمل التطوعي في تلك الفترة تزايد الحس الوطني لدى جميع قطاعات المجتمع، ونظرة الطلاب والشباب للعمل التطوعي على أنه شكل من أشكال التصدي والمقاومة. وقد شهدت فترة الثمانينيات تطوراً ملموساً في مجال العمل التطوعي وتعمقت قيمته خلال انتفاضة عام 1987، وتجسد ذلك بأشكال و أساليب متعددة تم ابتداعها وابتكارها، وبلغ العمل التطوعي في تلك الفترة ذروته، وأنجزت الكثير من الفعاليات الشعبية والجماهيرية، كما شهدت السنوات الأخيرة من عمر الانتفاضة انتشار لجان جماهيرية تطوعية مختلفة، كلجان مقاومة الاستيطان ولجان الدفاع عن الأراضي.

 

وفي الوقت الحاضر تراجع العمل التطوعي بشكلٍ واضح للعديد من الأسباب منها الاعتقاد السائد لدى البعض بأن السلطة الوطنية الفلسطينية تتحمل وحدها مسئولية تقديم كافة الخدمات والمتطلبات الأساسية في شتى المجالات، بالإضافة إلى وجود تراجع عام في عمل التنظيمات السياسية بالنسبة للعمل التطوعي والتي كانت تلعب دوراً هاماً في تشكيل اللجان التطوعية إضافةً الى الانتشار المتزايد للقيم الرأسمالية الفردية في المجتمع بدلاً من قيم التعاون والتكافل الاجتماعي. ولكن مع بداية انتفاضة الأقصى بدأت بعض البوادر لإعادة الاعتبار للعمل التطوعي وإن كانت بشكل غير منظم من قبل بعض الشباب والطلاب المتطوعين.

 

ختاماً تدعو هذه المعطيات كلّها إلى التفكّر مليّاً في أفضل السبل نحو مأسسة العمل التطوّعي وإلى  تفعيل ثقافة التطوّع وتشجيع البحوث حولها، ونشر مراكز خاصة للتأهيل التطوّعي وغيرها الكثير من الاستراتيجيات الهادفة إلى جعل التطوّع عنصراً بالغ الأهميّة في المجتمع العربي، لذا يتعين على العالم العربي اتخاذ عدد من الإجراءات لتفعيل العمل التطوعي وأهمها ضرورة دعم الدولة الرسمي له بشكلٍ دائم ومستمر عبر الدعم المادي والتنظيمي والتشريعي، وضرورة دعم ومؤازرة المؤسسات الأهلية مادياً ومعنوياً وبشرياً وتقديم التسهيلات اللازمة لها.

كذلك يتعين على الجمعيات الأهلية بناء قاعدة علاقات وتعاون فيما بينها وبين أفراد المجتمع عبر التعرف عن قرب على أولويات واحتياجات المجتمع من المشاريع التنموية، ما يُمكنها من نقل صورة واضحة لأصحاب القرار والمؤسسات الحكومية، وكذلك تعاون المؤسسات فيما بينها وبشكلٍ تكاملي لدعم العمل التطوعي ونشر وترسيخ روح العمل المشترك وتبادل الخبرات والمعلومات والعمل على تأصيل القيم والمبادئ القومية الوطنية عبر ثقافة سياسية تعمل على ترسيخ العمل التطوعي وتفعيله بين أفراد المجتمع والمؤسسات.

 

أ.ش

المصدر: الوفاق/ وكالات