اليوم العالمي للمسجد
في كل عام، وتحديداً في 21 أغسطس، يحتفي العالم الإسلامي بـ«اليوم العالمي للمسجد»، وهو مناسبة تستحضر فيها الشعوب المسلمة الدور الروحي والثقافي والسياسي الذي تؤديه المساجد في حياة الأمة. وقد خُصص هذا العام في إيران أسبوع خاص لتكريم المساجد، يمتد من 24 إلى 29 أغسطس، ويُعقد اليوم الخميس 28 أغسطس مؤتمر وطني بهذه المناسبة.
يرتبط هذا اليوم بذكرى أليمة في التاريخ المعاصر، حين أقدم مستوطن صهيوني يُسمى «دينيس مايكل روهان» في 21 أغسطس 1969 على إشعال النار عمداً في المسجد الأقصى، مما أدى إلى احتراق نحو 1500 متر مربع من مساحته، وتدمير منبره التاريخي.
منذ عام 2003، وبمبادرة من منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، أُقرّ هذا اليوم رسمياً في التقويم الإيراني كيوم عالمي للمسجد، بعد اعتماده من قبل وزراء خارجية الدول الإسلامية في اجتماع منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية بطهران.
في هذا السياق، تأتي هذه المقالة لتستعرض الدور الحيوي الذي لعبته المساجد، لا سيما خلال الحرب الصهيونية المفروضة التي استمرت 12 يوماً، حيث تحولت إلى منارات للصمود، وملاجئ للروح، ومراكز للتنظيم الشعبي والمقاومة.
في زمنٍ تتكالب فيه القوى الصهيونية على كسر إرادة الشعوب، برزت المساجد الإيرانية كجدرانٍ لا تُقصف، ومآذن لا تُسكت، وقلوب نابضة بالمقاومة. خلال الحرب المفروضة التي استمرت 12 يوماً، لم تكن المساجد مجرد أماكن للعبادة، بل تحولت إلى مراكز تعبئة، وملاجئ إنسانية، ومنصات إعلامية، ومرايا تعكس وحدة الشعب الإيراني في وجه العدوان.
منذ الساعات الأولى للهجوم، لعب خطباء المساجد دوراً محورياً في توجيه الخطاب الشعبي نحو الصمود، حيث أُعيدت صياغة خطب الجمعة لتكون أكثر ارتباطاً بالواقع الميداني، وتناولت مفاهيم الجهاد المدني، والتضامن، والدعاء الجماعي.
في ظل استهداف المستشفيات ومراكز الهلال الأحمر، كما ورد في تصريحات المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، تحولت بعض المساجد إلى نقاط طوارئ بديلة، حيث استقبلت الجرحى وقدّمت خدمات أولية، كما ساهمت في توزيع المساعدات الغذائية والدوائية. هذا الدور الإغاثي أعاد إلى الأذهان الوظيفة التاريخية للمساجد كمؤسسات خدمية في قلب المجتمع.
المساجد، بما تحمله من رمزية دينية ووطنية، شكّلت جداراً معنوياً في وجه الحرب النفسية التي رافقت العدوان. في ساحاتها، رُفعت صور الشهداء، وأُقيمت مجالس العزاء، وتحوّلت إلى فضاءات لتجديد العهد مع القيم الثورية والروحية. وقد شهدت بعض المساجد تجمعات شعبية للدعاء والابتهال، في مشهد يعكس تلاحم الروح الجماعية في مواجهة الخطر.
في ظل استهداف الإعلام الرسمي، كما ورد في تقارير صحفية، لعبت المساجد دوراً إعلامياً بديلاً، حيث نُقلت عبرها الأخبار المحلية، وتم تنظيم لقاءات مع شخصيات دينية وثقافية لتفسير الأحداث وتوجيه الرأي العام. كما ساهمت في استضافة صحفيين أجانب ضمن جهود وزارة الثقافة لجذب الإعلام الدولي، حيث زار أكثر من 60 صحفياً إيران خلال هذه الفترة.
خلال الحرب الصهيونية المفروضة التي استمرت 12 يوماً، تحولت العديد من المساجد إلى مراكز للتلاحم الشعبي والمقاومة. من أبرزها مسجد الرسول الأعظم(ص) في مدينة رباط كريم، الواقعة على الطريق الرابط بين طهران وساوه، والذي أصبح ملاذاً روحياً ومجتمعياً.
هذا المسجد بادر فور اندلاع الحرب الصهيونية المفروضة إلى فتح أبوابه على مدار 24 ساعة. يقول إمام جماعة المسجد، حجة الإسلام حميد سرمدي: «في الخطوة الأولى، أنشأنا مدينة ألعاب للأطفال داخل المسجد لتعزيز معنوياتهم».
أحد أبعاد الحرب المفروضة كان الهجوم الإعلامي، مما استدعى جهاداً تبيينياً. أُقيمت في المسجد دورات في إدارة التوتر لدى الأطفال، الإسعافات الأولية، الثقافة الإعلامية، والذكاء الاصطناعي. يقول سرمدي: «بعض الشباب لم يكونوا على دراية بحقيقة أمريكا والكيان الصهيوني، لكن ما رأوه من تجاهل لأبسط حقوق الإنسان، وقتل الأطفال والنساء، جعلهم أكثر وعياً، وسعينا من خلال المحاضرات إلى تعزيز التلاحم الوطني».
من جهة أخرى أعلن حجة الإسلام محمد إبراهيم، رئيس مركز شؤون المساجد، عن انعقاد مؤتمر المسجد اليوم الخميس، بمشاركة كبار المسؤولين، أئمة الجماعات، ونشطاء المساجد في محافظة طهران. وأوضح أن المؤتمر كان يُعقد سنوياً في 21 أغسطس، لكن هذا العام تزامن الموعد مع يوم الجمعة وأيام رحيل النبي الأكرم(ص) والإمام الحسن المجتبى(ع)، فتم تأجيله إلى اليوم الخميس.
وأشار إلى توسيع نشاط المساجد وأنه يتم عبر خمسة محاور: الروحانية والدعاء؛ تعزيز المعرفة وجهاد التبيين؛ الأمن المحلي؛ المعيشة والتوظيف؛ والإغاثة والعلاج. وقد بدأت المساجد الرائدة هذه الأنشطة في الأحياء، ومع الوقت ستتوسع هذه البرامج لتشمل المزيد من المساجد.
أشار حجة الإسلام إبراهيم إلى أن شعار المؤتمر لهذا العام هو «المسجد، محور الوحدة وساتر المقاومة»، مضيفاً أن ما يميز مؤتمر هذا العام هو الاستضافة الخاصة لأئمة جماعات المساجد الرائدة، الذين برز دورهم خلال العدوان الصهيوني والدفاع المقدس الذي استمر 12 يوماً، حيث تحولت المساجد إلى مراكز للمقاومة والوحدة الشعبية في الأحياء.
وأوضح أن المركز، بالتعاون مع الجهات الأعضاء في مقر المسجد الوطني، سيكرّم هذه المساجد وأئمتها الذين استلهموا نموذج مسجد جامع خرمشهر، الذي أصبح رمزاً للمقاومة خلال الهجوم الصدامي، بهدف تقديم نموذج يُحتذى به، متمنياً أن يكون في كل حي مسجد جامع خرمشهر، يشكل محوراً وساتراً للمقاومة.
في جانب آخر من حديثه، أشار حجة الإسلام إبراهيم إلى أن تكريم أئمة الجماعات الشهداء سيكون ضمن برامج المؤتمر، كما في السنوات السابقة. ففي العام الماضي تم تكريم الشهيد آية الله السيد إبراهيم رئيسي، الذي كان إمام جماعة لأحد مساجد طهران لمدة عشرين عاماً. أما هذا العام، فسيتم تكريم حجة الإسلام «نيازمند» الذي استشهد مع أسرته خلال العدوان الصهيوني.
وأكد حجة الإسلام إبراهيم على أن أئمة الجماعات خلال الحرب المفروضة الصهيونية حافظوا على نشاط المساجد، وشهدت تلك الأيام أحداثاً استثنائية في تاريخ العمل المسجدي، حيث تعرّض بعض المساجد القريبة من مواقع سقوط الصواريخ للتدمير أو الضرر، لكن الأئمة والمصلين أخرجوا السجاد من تحت الأنقاض وأقاموا الصلاة في الشوارع، رافضين تعطيل صلاة الجماعة، واستمروا في إعادة الحياة إلى طبيعتها انطلاقاً من المسجد.
في النهاية، أثبتت المساجد الإيرانية خلال هذه الحرب المفروضة أنها ليست مجرد أماكن للعبادة، بل مؤسسات حية تنبض بالوعي، وتحتضن الشعب في لحظات المحنة، وتعيد صياغة دورها كمحور للمقاومة الثقافية والروحية. إنها ذاكرة جماعية، وجدار أخلاقي، ومنبر لا يُقصف.