في زحمة عمليات الشدّ والجذب حول الجنوب السوري، يكاد ملف المعتقلين السوريين لدى الاحتلال يغيب تماماً عن أجندة الإعلام الحكومي وغير الحكومي، فيما يقتصر ذكره أحياناً على خبر يمرّ مرور الكرام لحظة وقوع الحدث، من دون التوقّف عند خلفياته أو أبعاده. وكانت حملات الاعتقال في الجنوب قد تصاعدت، منذ سقوط النظام، لتبدو وكأنّها أداة استراتيجية لفرض واقع أمني جديد لمصلحة الاحتلال، يقوم على ترهيب المدنيين وتفريغ المنطقة من أيّ نواة يمكن أن تثير شكوكاً، ولو كانت واهية، توازياً مع محاولة خلق حالة من الاعتياد على الحركة الإسرائيلية في الجنوب.
وحتى كتابة هذه السطور، بلغ عدد المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال 40 شخصاً، علمت صحيفة «الأخبار»، أن «ستّة منهم اعتُقلوا قبل سقوط النظام»، بينهم قاصر من قرية جباتا الخشب في القنيطرة، واثنان منهم من عائلةٍ واحدة اعتُقلا من قريتَي الأصبح وأم اللوقس، فيما توزّعت بقية الاعتقالات بين قريتَي صيدا الجولان والعشة، علماً أن هؤلاء جميعهم لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم. وبحسب مصدر أهلي تحدّث إلى «الأخبار»، فإن الأمر لم يعد يقتصر على التوغّلات ودهم المنازل وتفتيشها، إنّما تطوّر إلى إشاعة التوتر والخوف من التجوال خارج القرى الواقعة على الخط الفاصل مع الجولان السوري المحتل.
ويلفت المصدر إلى أن «قوات الاحتلال اعتقلت، في 10 تشرين الأول الجاري، خمسة مدنيين من بلدة صيدا الحانوت في ريف القنيطرة الجنوبي، هم راعيان وثلاثة مزارعين، أثناء وجودهم قرب الشريط الحدودي غربي البلدة»، لافتاً إلى أن الاعتقال «جرى تحت أنظار قوّات الطوارئ الدولية، على بعد نحو 300 متر فقط من نقطة المراقبة الفاصلة بين الحدود».
ومع أن ذوي المعتقلين أُبلغوا، لاحقاً، بوساطة للإفراج عنهم خلال 24 ساعة (وهو ما تمّ بالفعل)، يذكّر المصدر بحوادث مشابهة سابقة في المنطقة الحدودية، احتجزت خلالها قوات الاحتلال رعاةً ومزارعين لساعات قبل الإفراج عنهم، فيما نُقل بعضهم إلى الداخل المحتلّ «بداعي التحقيق حسبما يردّد الوسيط الشكلي عند اللجوء إليه»، ولا سيّما في حالات الاعتقالات التي ترافق التوغّلات الميدانية.
إزاء ذلك، يؤكّد محامون متابعون لملفّ المعتقلين السوريين أن «الاحتلال يتعامل مع هؤلاء وفق قانون «مقاتل غير شرعي» المعمول به أيضاً في قطاع غزة».
وبحسب مؤسّسات الأسرى الفلسطينية، «أُدخلت تعديلات على هذا القانون، مدّدت العمل به حتى نهاية عام 2025»، يُمنح جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية بموجبها «صلاحية احتجاز المعتقلين لفترات غير محدودة، من دون توجيه تهم أو ضمان مسار محاكمة عادلة، مع تمكين القضاة من تمديد منع لقاء المعتقل بمحاميه حتى 30 يوماً، تُضاف إلى 45 يوماً يمتلكها ضبّاط الاحتلال، ليصل مجموع فترة الحرمان من التواصل مع المحامي إلى 75 يوماً متواصلة».
وفي السياق نفسه، علمت «الأخبار» أن «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» (ICRC) بدأت بتنظيم وكالات قانونية لمحامين في «مركز الدفاع عن الفرد – هموكيد» (منظمة صهيونية لحقوق الإنسان تأسّست عام 1988 عقب الانتفاضة الأولى بهدف «مساعدة الفلسطينيين الذين يسبب الاحتلال انتهاكاً صارخاً مستمراً لحقوقهم»). وبموجب نصّ الوكالة، يُكلّف تسعة محامين (معاً وكلّ واحد على حدة) بمتابعة الشكاوى المُقدّمة من «الطرف المتضرّر».
ومع ذلك، يبقى ملف المعتقلين السوريين لدى الكيان من دون أفق واضح، وغائباً بين أدراج التفاهمات المُعلنة وغير المُعلنة، فيما يترقّب ذوو هؤلاء مصير أبنائهم المجهول، وسط صمت رسمي مُطبق، لا تخرقه حتى كلمات المواساة.