التفاعل بين الفن والتاريخ

النحت الإيراني.. من رموز التاريخ إلى لغة الفن المعاصر

الوفاق: النحت الإيراني ليس مجرد تاريخ فني، بل هو ذاكرة بصرية لشعب، ورسالة ثقافية يتجاوز الزمان والمكان، إنه دعوة للتأمل في الجمال، والهوية، والروح الإنسانية.

يُعد فن النحت في إيران من أعرق أشكال التعبير الفني في الشرق، حيث يمتد تاريخه من العصور القديمة إلى العصر الحديث، ويعكس في كل مرحلة تحولات المجتمع الإيراني، وتطلعاته.

 

في الحقيقة النحت الإيراني يعد واحد من أكثر التجليات الفنية عمقاً وتأثيراً في تاريخ الشرق، وهو إرثٌ بصري وثقافي يمتد عبر آلاف السنين، من العصور القديمة إلى العصر الحديث. هذا الفن، الذي بدأ من الطقوس الدينية والمعتقدات الروحية، تحول عبر الزمن إلى وسيلة للتعبير الثقافي والروحي، ثم إلى لغة عالمية تتفاعل مع تيارات الفن المعاصر وتطور ليصبح وسيلة تعبيرية عالمية، تربط بين الماضي والحاضر، وتُجسد الهوية الإيرانية في وجه التحولات الثقافية العالمية.

 

ستنحنون مرة أخرى أمام إيران

 

في حدث ثقافي بارز، شهدت ساحة إنقلاب بطهران يوم الجمعة 7 نوفمبر مراسم إزاحة الستار عن تمثال الإمبراطور الروماني «فالرين»، الذي يُجسد لحظة تاريخية فارقة من العصر الساساني، حين ركع الإمبراطور أمام الملك الإيراني شابور الأول بعد هزيمته في معركة شهيرة. أقيمت الفعالية تحت شعار «ستنحنون مرّة أخرى أمام إيران»، هذا التمثال، الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من 7 أمتار وصُنع من مادة الفايبرغلاس على يد الفنان الإيراني «بيام فرهنك»، يُعد رسالة بصرية قوية تعبّر عن الصمود، المقاومة، واستعادة الهوية الوطنية.

 

وفي وقت سابق، وخلال الحرب الصهيونية المفروضة، تم إزاحة الستار عن تمثال آخر يُجسد أحد أبطال إيران الأسطوريين، «آرش كمانغیر»، في ساحة ونك بطهران، ليُضاف إلى سجل طويل من الأعمال التي تُكرّم رموز البطولة في التاريخ الإيراني. بمناسبة هذه الأحداث، يُسلط هذا التقرير الضوء على تاريخ النحت في إيران، الذي يمتد من العصور القديمة إلى العصر الحديث.

 

جذور حضارية ضاربة في التاريخ

 

منذ بداياته الأولى، ارتبط فن النحت في إيران بالسلطة والروحانية. ففي العصر الأخميني، بلغ هذا الفن ذروة مجده، حيث كانت التماثيل تُستخدم لتجسيد القوة الإمبراطورية والهيبة الملكية. تماثيل «دروازه ملل» أي «بوابة الأمم في «تخت جمشيد» بشيراز، التي تمثل شعوباً متعددة خاضعة للإمبراطورية، تُعد مثالاً بارزاً على التعدد الثقافي والتسامح الرمزي الذي ميز تلك الحقبة. كما أن استخدام الحيوانات كالأسود والثيران في النحت الأخميني لم يكن مجرد زخرفة، بل كان تعبيراً عن مفاهيم الحماية، الشجاعة، والاستقرار السياسي.

 

في العصور اللاحقة، وخصوصاً في العصر الساساني، استمر النحت في أداء دوره الرمزي، لكنه اكتسب طابعاً أكثر تعقيداً من حيث التقنية والمضمون. النقوش البارزة في طاق بستان ونقش رستم، التي تُصور مشاهد الانتصار والطقوس الملكية، تُظهر براعة فنية فائقة وتُجسد العلاقة الوثيقة بين الفن والدين والسياسة.

 

التحول في العصر الإسلامي.. من التجسيد إلى التجريد

 

مع دخول الإسلام إلى إيران، شهد فن النحت تحولاً جوهرياً. القيود الدينية على تصوير الكائنات الحية دفعت الفنانين إلى إعادة تعريف النحت، فانتقلوا من التجسيد الواقعي إلى التعبير التجريدي والرمزي. ظهرت الزخارف الهندسية والنقوش النباتية كبدائل بصرية، تحمل في طياتها مفاهيم روحية عميقة، وتُعبر عن الجمال الإلهي من خلال التكرار والتناظر.

 

هذا التحول لم يُضعف من مكانة النحت، بل أعاد تشكيله ضمن إطار جديد، حيث أصبح الفن وسيلة للتأمل والتعبير عن الماورائيات، بدلاً من تصوير الواقع المادي. وقد ساهم هذا الاتجاه في إغناء الفنون الإسلامية عموماً، وأثر بشكل مباشر على فنون العمارة والخط والزخرفة في إيران وخارجها.

 

 

النحت الإيراني في العصر الحديث.. بين الأصالة والتجديد

 

في الزمن المعاصر، عاد فن النحت الإيراني ليأخذ مكانته في المشهد الفني العالمي، ولكن هذه المرة بلغة جديدة تجمع بين الأصالة والابتكار. الفنانون الإيرانيون، مستلهمين من تراثهم الغني، بدأوا في إعادة صياغة مفاهيم النحت، مستخدمين مواد وتقنيات حديثة، مثل المعادن المعاد تدويرها، الزجاج، والخشب الصناعي، إلى جانب الرموز التقليدية.

 

هذا المزج بين القديم والجديد أفرز أعمالاً فنية تحمل طابعاً محلياً وروحاً عالمية، تُخاطب الجمهور الدولي دون أن تتخلى عن جذورها الثقافية. وقد ساهمت هذه الأعمال في تعزيز مكانة إيران في المعارض الدولية، وأثبتت أن الفن الإيراني قادر على المنافسة والتأثير في التيارات الفنية المعاصرة.

 

النحت كحامل للهوية الثقافية

 

أحد أبرز أدوار النحت الإيراني في العصر الحديث هو الحفاظ على الهوية الثقافية في ظل العولمة. فكل تمثال يُمثل قصةً او معتقداً، أو لحظة تاريخية، تُعيد ربط الأجيال الجديدة بماضيها، وتُرسخ الشعور بالانتماء. في زمن تتسارع فيه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، يُعد الفن وسيلة مقاومة ثقافية، تُحافظ على الخصوصية وتُعزز التنوع.

 

كما أن النحت يُسهم في الحوار بين الثقافات، إذ يُمكن للرموز البصرية أن تتجاوز الحواجز اللغوية، وتُوصل رسائل إنسانية مشتركة. وهذا ما يجعل من النحت الإيراني ليس فقط فناً محلياً، بل لغة عالمية تُعبر عن الإنسان في جوهره.

 

 روّاد النحت الإيراني

 

من بين أبرز الرواد، يأتي أبو الحسن صدّيقي الذي يُعد الأب المؤسس للنحت الحديث في إيران، وصاحب تمثال الفردوسي الشهير، والذي نال تكريماً دولياً في إيطاليا. تلاه علي أكبر صناعي، الذي جمع بين الرسم والنحت، وخلّد صورة «الرجل العاطل عن العمل» في تمثال مؤثر. أما توكل إسماعيلي المعروف بـ «مش إسماعيل»، فقد بدأ حياته مستخدماً في كلية الفنون، ليصبح لاحقاً أحد أبرز النحاتين بأسلوبه الفريد في استخدام الأسلاك واللحام، ومن أشهر أعماله تمثال «رستم والعفريت الأبيض».

 

غلامرضا رحيم زاده أرجنك ترك إرثاً فنياً في ساحات طهران، أبرزها تمثال «أنوشيروان العادل» و«معركة كرشاسب مع التنين». أما جازه طباطبائي فقد مزج بين الفن الصناعي والرمزية، وعُرضت أعماله في متاحف عالمية مثل اللوفر ومتروبوليتان. ويُعد هوشنغ سيحون من أبرز المعماريين والنحاتين، إذ صمم قبور شخصيات تاريخية مثل ابن سينا والخيام، ويُلقب بـ «رجل المعالم الخالدة».

 

ليليت تريان، أول نحاتة إيرانية بارزة، تُعرف بـ «أم النحت الإيراني»، وخلّدت شخصية «يبرم خان» في تمثال شهير. أما بهمن محصص، فقد كان من أكثر الفنانين الإيرانيين المعاصرين تجديداً، ومن أبرز أعماله «عازف الناي». ويُعد برويز تناولي من رموز النحت المعاصر، إذ مزج بين الرمزية والتقنية، ومن أشهر أعماله «لا شيء»، «القفل والقفص»، و«الشاعر».

 

سيمين أكرامي، التي بدأت مسيرتها في أمريكا ثم واصلتها في إيران، أبدعت في النحت الحجري، ومن أبرز أعمالها تماثيل الطيور في بيت الفنانين وحديقة جمشيدية.

 

وفي العصر الحديث، برزت أسماء أعادت تعريف النحت الإيراني بأساليب وتقنيات جديدة. من بينهم طاهر شيخ الحكمايي، أستاذ النحت في جامعة طهران، الذي مزج بين الرمزية والتجريد، وابتكر أعمالاً باستخدام العظام والمجسمات الهوائية، وشارك في تنظيم بيناليات دولية. أما فرهاد ابراهيمي، فقد أسهم في تطوير تقنيات النحت المعدني، وشارك في تأسيس جمعية النحاتين الإيرانيين، وله حضور بارز في المعارض الدولية.

 

من الأصوات النسائية المؤثرة، تبرز عفت صلواتي، التي دمجت الحس الأنثوي بالتجريد الرمزي، وشاركت في معارض وطنية ودولية بأعمالها التي تُعبر عن الهوية والذاكرة باستخدام الحجر والمعادن. كما يُعد نادر قشقايي من أبرز النحاتين المعاصرين، إذ نال جوائز وطنية عن أعماله مثل تمثال «مولانا»، وشارك في لجان تحكيم ومهرجانات دولية، وله مساهمات أكاديمية وفنية متعددة.

 

إرث حي ورسالة للمستقبل

 

النحت الإيراني ليس مجرد تاريخ فني، بل هو ذاكرة بصرية لشعب، ورسالة ثقافية يتجاوز الزمان والمكان. إنه دعوة للتأمل في الجمال، والهوية، والروح الإنسانية. ومع كل عمل جديد، يُرسل هذا الفن رسالة من الماضي إلى المستقبل: رسالة تقول إن الفن ليس مجرد زخرفة، بل هو صوت حضارة، ونبض إنساني لا يموت.

 

 

المصدر: الوفاق