في لحظة تاريخية فارقة، خرج رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا بخطاب سياسي حاد ومشحون بالرؤية الثورية، ليعلن ولادة «ثورة عالمية جديدة» تهدف إلى استعادة كرامة الشعوب التي عانت من الاستعمار والاستغلال لعقود طويلة. لم يكن الخطاب مجرد تعبير عن موقف سياسي محلي، بل جاء كبيان عالمي يعكس تحولات جيوسياسية عميقة، وتراجعًا ملحوظًا في هيمنة الإمبراطورية الأميركية، وصعودًا لقوى بديلة مثل الصين وروسيا، تسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي على أسس أكثر عدالة وتعددية.
أورتيغا والثورة من أجل الكرامة
في كلمته بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس وزارة الداخلية، شدد أورتيغا على أن الثورة الجديدة ليست مجرد رد فعل على السياسات الأميركية، بل هي مشروع عالمي يهدف إلى «إضفاء الكرامة على الشعوب» التي عانت من التهميش والاستغلال. هذا المفهوم للثورة يتجاوز البعد السياسي ليشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويضع الإنسان في مركز العملية التنموية. أورتيغا يرى أن الكرامة لا تُمنح من الخارج، بل تُنتزع من خلال السيادة الوطنية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية. وهو بذلك يعيد تعريف مفهوم الثورة، بعيدًا عن العنف والانقلابات، نحو بناء مؤسسات قوية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتمكين المجتمعات من تقرير مصيرها.
الإمبراطورية الأميركية في حالة تآكل
أحد أبرز محاور الخطاب كان توصيف أورتيغا للإمبراطورية الأميركية بأنها تمر بمرحلة «تآكل وضعف لا يمكن إنكاره». هذا التوصيف يعكس قراءة دقيقة للتحولات التي يشهدها النظام العالمي، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها كما كانت تفعل في العقود الماضية. منذ نهاية الحرب الباردة، اعتمدت واشنطن على أدوات الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية للحفاظ على موقعها كقوة عظمى. لكن هذه الأدوات بدأت تفقد فعاليتها، في ظل صعود قوى جديدة، وتنامي المقاومة الشعبية في دول الجنوب العالمي، وتراجع الثقة في المؤسسات الغربية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. أورتيغا لا يكتفي بوصف التراجع الأميركي، بل يربطه مباشرة بالمقاومة العالمية التي تقودها دول تسعى إلى السيادة والتنمية المستقلة، مثل الصين وروسيا وفنزويلا. وهو بذلك يضع نيكاراغوا ضمن محور عالمي مناهض للهيمنة، يسعى إلى بناء نظام متعدد الأقطاب.
الصين وروسيا.. البدائل الاستراتيجية
في خطابه، خص أورتيغا الصين بإشادة كبيرة، واصفًا ثورتها بقيادة ماو تسي تونغ بأنها نجحت في «انتشال مئات الملايين من البشر من الفقر»، ومعتبرًا أن الرئيس شي جين بينغ يواصل هذا النهج التنموي بنجاح. هذه الإشادة ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعكس تبنيًا واضحًا للنموذج الصيني في التنمية، الذي يقوم على التخطيط المركزي، والاستثمار في البنية التحتية، والتكنولوجيا، والتعليم. الصين، بحسب أورتيغا، تقدم نموذجًا بديلًا لا يعتمد على الهيمنة أو المشروطيات السياسية، بل على التعاون المتبادل والمصالح المشتركة. وهذا النموذج يلقى قبولًا متزايدًا في دول الجنوب، التي سئمت من السياسات الغربية القائمة على الإملاءات والتدخلات.
أما روسيا، فهي تقدم نفسها كقوة توازن في وجه الهيمنة الغربية، وتدعم حلفاءها في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا. أما الدول النامية، فهي لم تعد مجرد تابع، بل أصبحت شريكًا في صياغة السياسات الدولية، من خلال منظمات مثل مجموعة البريكس، ومنظمة شنغهاي، ومجموعة دول الجنوب.
فنزويلا وكولومبيا.. بين المقاومة والتبعية
في الوقت الذي يدعو فيه أورتيغا إلى ثورة عالمية من أجل الكرامة والسيادة، تواصل الولايات المتحدة سياساتها التدخلية في أميركا اللاتينية، لا سيّما تجاه فنزويلا وكولومبيا. هذه المفارقة تكشف عن صراع بين رؤيتين متناقضتين للعالم: الأولى تسعى إلى التحرر والتعددية، والثانية تتمسك بمنطق الهيمنة والسيطرة.
فنزويلا، بقيادة مادورو، تُمثل أحد أبرز حلفاء نيكاراغوا في المنطقة، وتواجه منذ سنوات حملة أميركية شرسة تشمل عقوبات اقتصادية خانقة تستهدف النفط والقطاع المالي، ودعم سياسي وعسكري للمعارضة، ومحاولات انقلابية فاشلة، فضلًا عن حملات إعلامية لتشويه صورة الحكومة الفنزويلية. ورغم هذه الضغوط، صمدت فنزويلا، ونجحت في تعزيز تحالفاتها مع روسيا، الصين، مما جعلها رمزًا للمقاومة في وجه الإمبراطورية الأمريكية.
وفي تحول لافت، باتت كولومبيا تتخذ مواقف متعارضة مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، متخلية عن دورها التقليدي كقاعدة للنفوذ الأميركي، لتصبح طرفاً ناقداً لسياسات واشنطن، خاصةً تجاه فنزويلا ونيكاراغوا، ما يعكس تغيراً في الاصطفافات الجيوسياسية داخل أميركا اللاتينية.
الاحتفاء بوصول «سفينة طريق الحرير»
من أبرز ما ورد في خطاب أورتيغا هو الاحتفاء بوصول سفينة المستشفى الصينية «سفينة طريق الحرير» إلى نيكاراغوا، والتي وصفها بأنها «سفينة الحياة». هذه المبادرة تحمل رمزية قوية، فهي ليست مجرد دعم طبي، بل تعبير عن نموذج جديد من العلاقات الدولية يقوم على التضامن لا التبعية. السفينة، التي توقفت في دول لم تكن على مسارها المباشر، جسدت مفهوم «الدبلوماسية الإنسانية»، وفتحت الباب أمام تعزيز التعاون جنوب-جنوب بعيدًا عن مشروطيات المؤسسات الغربية. وهي بذلك تعكس فلسفة الصين في تقديم المساعدة دون شروط سياسية، وهو ما يلقى ترحيبًا واسعًا في دول الجنوب.
هذا النموذج التضامني يتناقض تمامًا مع السياسات الأميركية التي تفرض الحصار والعقوبات على فنزويلا، وتستخدم كولومبيا كمنصة للضغط العسكري والسياسي. في حين أن الصين ترسل سفنًا محملة بالأطباء، ترسل واشنطن مدمرات بحرية وطائرات استطلاع، ما يعكس اختلافًا جوهريًا في فلسفة العلاقات الدولية.
نيكاراغوا في قلب التحول الجيوسياسي
نيكاراغوا، رغم صغر حجمها الجغرافي والاقتصادي، تلعب دورًا مهمًا في التحولات الجيوسياسية الراهنة. فهي من الدول القليلة التي اتخذت موقفًا واضحًا مناهضًا للسياسات الأميركية، بما في ذلك قطع العلاقات مع كيان العدو الصهيوني، والانضمام إلى تحالفات دولية بديلة. هذا الموقف يعكس توجهًا أوسع في أميركا اللاتينية نحو إعادة تعريف العلاقات الدولية، بعيدًا عن الاصطفاف التقليدي خلف واشنطن. دول مثل فنزويلا، بوليفيا، كوبا، والبرازيل، بدأت تتبنى سياسات مستقلة، وتبحث عن شراكات جديدة مع الصين وروسيا والهند.
الثورة ليست شعارًا بل مشروع عملي
أورتيغا شدد على أن الثورة من أجل الكرامة لا يمكن ترسيخها إلا بالوحدة والتماسك في جميع المؤسسات والمجتمعات، مؤكدًا التزام حكومته بـ«القضاء على الفقر المدقع عبر البرامج الاجتماعية المستدامة». هذا التوجه يعكس فلسفة سياسية ترى أن الكرامة لا تُمنح، بل تُبنى عبر سياسات عادلة تشمل بناء المساكن والمدارس والمستشفيات، وتوفير الخدمات الأساسية مجانًا. نيكاراغوا، رغم محدودية مواردها، تسعى إلى تقديم نموذج تنموي مستقل، يرفض التبعية للمؤسسات المالية الدولية، ويعتمد على الشراكات مع دول الجنوب.
الانتقال من عالم القوة إلى عالم الفكرة
ما يجعل خطاب أورتيغا بالغ الأهمية ليس فقط محتواه السياسي، بل توقيته وسياقه. نحن لا نشهد مجرد تراجع في النفوذ الأميركي أو صعود الصين وروسيا، بل نشهد تحولًا في «العقيدة الجيوسياسية» التي حكمت العالم منذ قرون. فالعالم الذي كان يُقسّم وفق خرائط استعمارية، وحدود مرسومة باتفاقيات قسرية، بدأ يتحول إلى عالم تُرسم حدوده وفق العقائد، لا الجغرافيا.
أورتيغا لا يتحدث عن نيكاراغوا فقط، بل عن«عقيدة جديدة» تتجاوز الحدود، وتجمع بين دول وشعوب تؤمن بالسيادة، العدالة، والكرامة. هذه العقيدة لا تحتاج إلى تحالفات عسكرية أو اتفاقيات تجارية، بل إلى وعي جماعي بأن الهيمنة ليست قدرًا، وأن التحرر ليس حلمًا. إنها لحظة انتقال من عالم تُحدده القوة، إلى عالم تُحدده الفكرة.
وفي ضوء المقارنة بين خطاب أورتيغا والسياسات الأميركية في فنزويلا وكولومبيا، يتضح أن العالم يقف على مفترق طرق. من جهة، هناك دول تسعى إلى بناء نظام عالمي جديد قائم على الكرامة، السيادة، والتعاون المتبادل، كما عبّر عنه أورتيغا في خطابه. ومن جهةٍ أخرى، هناك قوى لا تزال متمسكة بمنطق الهيمنة، وتستخدم أدوات العقوبات، التدخلات العسكرية، والتحالفات الأمنية لإعادة إنتاج النظام الأحادي القطبية.