د.أكرم شمص
لم يكن خطاب سماحة الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، في الذكرى السنوية لاستشهاد القائد الإعلامي الكبير الحاج محمد عفيف النابلسي ورفاقه، مجرد تأبين عابر، بل كان بيانًا استراتيجيًا شاملًا يفكك مفهوم الصراع في لبنان والمنطقة. لقد تجاوز الخطاب حدود الرثاء التقليدي ليرسخ فلسفة متكاملة ترى أن المعركة اليوم هي في جوهرها معركة وعي وسردية، تُخاض ضد ثلاثي متكامل: العدوان الصهيوني، والوصاية الأمريكية، والفساد الداخلي الذي يمهد الطريق لكليهما.
لقد نجح الشيخ نعيم قاسم في تحويل المناسبة إلى درس فلسفي وسياسي عميق، مؤكدًا أن الحقيقة فعل مقاومة، وأن النصر الحقيقي يبدأ بتحصين الساحة من الانكشاف الفكري والمعرفي. إنها كلمة تأسيسية تضع الإعلام في طليعة المواجهة، وتفضح القوة الناعمة كأخطر أشكال الهيمنة، وتشدد على أن الاستقلال فعل مستمر لا حدث عابر.
* الإعلام المقاوم: ساحة المعركة ودرع الوعي
ينطلق الخطاب من تثمين دور الإعلامي الشهيد الحاج محمد عفيف النابلسي، مقدماً إياه ليس كإعلامي مميز فحسب، بل كـ”نموذج لمفهوم الإعلام المقاوم” ، الذي يرى أن الإعلام إما أن يكون صادقًا فيصنع مسارًا اجتماعيًا وسياسيًا، أو يكون مضللًا فينهار في أول احتكاك مع الواقع.
في رؤية الشيخ نعيم قاسم، الإعلام هو “الدرع الواقي للوعي” ، ودوره ليس مجرد وصف الأحداث، بل المشاركة في صناعتها. هذا يمثل المواجهة الحقيقية لـ”القوة الناعمة” التي تستهدف الوعي مباشرة عبر أدوات التضليل وتشويه الحقائق.
ويؤكد الشيخ قاسم أن الإعلام الكاذب لا يصنع بنيانًا، وأن “الناس لهم حق أن يعرفوا الحقيقة” , وهذا الحق يتحقق بـ”تحصين ساحتنا” من خلال “مراقبة ما يبث على المستوى الإعلامي”. لقد أدرك العدو هذه الحقيقة، فكان اغتيال الحاج محمد عفيف استهدافًا لـ”وعي نجح في تثبيت السردية المقاومة” ، التي هي التعبير الصادق عن واقع المقاومة الإسلامية وجمهورها. فالعدو لا يغتال الأشخاص بل “يغتال الأثر”، لكنه يفشل لأن “الأثر يتحول إلى رمز”.
هنا، يربط الامين العام الشيخ نعيم قاسم بين دماء الشهداء الإعلاميين من كل المؤسسات ، وبين النجاح في “إبراز حقيقة المعركة” و”مواجهة إعلام الطواغيت والمجرمين”. وإن السردية المقاومة ليست أداة، بل هوية، والإعلام الصادق هو رافعتها في مواجهة الهيمنة المعرفية والعدوان على الذاكرة.
* الولايات المتحدة الامريكية: محور الخراب وشريان التبعية
يذهب االشيخ نعيم قاسم في خطابه إلى أبعد من النقد السياسي المعتاد ليضع الولايات المتحدة الأمريكية في موقع “مصدر الخراب” ومحور التخريب البنيوي الذي يعيق قيام الدولة المستقلة. بالنسبة للشيخ نعيم قاسم، فإن “الوصاية الأميركية على لبنان خطر كبير جدا” ، وهي تمارس هيمنة شاملة ومتعددة الأوجه:
- الهيمنة السياسية والعدوان العسكري: يصف أمريكا بأنها “معتدي وراعية للعدوان الصهيوني” ، وأنها توجه “العدو” حول حدود العدوان ليتواءم مع الضغط السياسي. والتحرر هنا ليس فقط تحرير الأرض، بل تحرير “معنى الدولة ومعنى الوجود السياسي”.
- الهيمنة الاقتصادية والمالية: يكشف الشيخ نعيم قاسم عن دور الولايات المتحدة المباشر في الأزمة الاقتصادية، متسائلًا: “من الذي خرب لبنان من سنة 2019 حتى الآن؟ الأميركيون هم الذين خربوا لبنان”. ويشير إلى أن “العملة انهارت في لبنان بسبب أمريكا، والبنوك أفلست بسبب أمريكا”. هذا التحليل يقدم سردية مضادة تضع الانهيار الاقتصادي في سياق الحصار الجيوسياسي، وليس مجرد الفساد الداخلي.
- التخريب الخدماتي وإثارة الفتنة: يوضح الشيخ قاسم كيف منعت أمريكا وصول الكهرباء من مصر والأردن، وعطلت ملف النفط. وفي الجانب الاجتماعي، يشير إلى أن التظاهرات التي حصلت في 2019، رغم أنها عكست “ألم شعبي”، إلا أنها كانت تتضمن “تدخل أجنبي أميركي يريد أن يُحدث فتنة داخلية وتعديل بالموازين الداخلية”. هذا يكشف عن إدراك الشيخ قاسم لآليات القوة الناعمة التي تستخدم المطالب الشعبية كغطاء للتدخل السياسي.
إن الخطاب يربط بوضوح بين النفوذ الأمريكي ومحاولات تقويض أي قوة شعبية أو مالية غير خاضعة لها، مشيدًا بـ”القرض الحسن” بوصفها “رئة التنفس الاجتماعي في هذا الوضع الصعب” ، ومحذرًا الحكومة وحاكم المصرف من الإجراءات التي تضيق على اللبنانيين خدمةً للأجندة الأمريكية.
* الانهيار الداخلي: الفساد والتنازلات خيانة للسيادة
لا يتوقف الامين العام عند النقد الخارجي، بل يوجه نقدًا شديد اللهجة للمسار الداخلي الذي يرى أنه ينزلق نحو التنازلات، واصفًا هذه التنازلات بأنها “تخطئ الحكومة عندما تسلك طريق التنازلات طمعا بانهاء العدوان”.
ويؤكد االشيخ قاسم على أن المشكلة الأساسية في لبنان ليست المقاومة، بل “العدوان هو المشكلة”. ومن يرى أن “المقاومة مشكلة لانها لا تستسلم يقبل ان يسلم البلد الى ‘االعدو الصهيوني .وفي هذا الإطار، يُعتبر “إقرار مبادئ ورقة براك المخزية” و”إعلان الاستعداد للتفاوض” بمثابة تنازلات مجانية تزيد من شراسة العدوان ولا تنهيه.
ويشن الامين العام هجومًا على من أسماهم “من يبخون السم” و”طابخوا السم” ، وهم الأطراف الداخلية التي تسعى لإثارة الفتنة وتسهيل السيطرة الأجنبية من خلال “العمالة والتبعية”. ويشير إلى أن تعطيل المجلس النيابي و”الهجوم على الرئيس نبيه بري” ، هو في جوهره هجوم يهدف إلى “تسهيل السيطرة من خلال استدعاء الوصاية الأجنبية” ، لأن الرئيس بري يمثل “ركيزة استقرار لبنان ومنع الفتنة”.
بهذا، يربط الشيخ قاسم بين الهيمنة الأمريكية، التي تسعى لـ”إحداث فتنة داخلية” ، وبين الأطراف الداخلية التي تتنازل أو تعطل الدولة، في إطار مشروع متكامل لنزع سيادة الوعي قبل الأرض”. إن الدعوة هنا واضحة: “جربوا قول كلمة ‘لا’، ولنكون معا جميعا” ، لأن الاستقلال يُصنع بالتشبث بالحق، لا بإغراءات التسوية السريعة.
* خلاصة: الاستقلال صيرورة وشرعية الدم
إن خطاب الشيخ نعيم قاسم هو خارطة طريق للمواجهة، تؤكد أن المقاومة كهوية مجتمعية هي “شرط وجود” للبنان الحر. لقد قدم رؤية تتلخص في أن القوة ليست قوة تنظيم، بل قوة تاريخ ، وأن “مستوى قوة أهلنا ومجتمعنا غير مسبوقة والأعداء حائرون بهذه القوة”.
تتحول الشهادة في هذا الخطاب إلى شرعية روحية للمسار الاستقلالي ، فـ”الدم يُنتج معرفة، وهذه المعرفة تُنتج حرية”. إن أصحاب الشرف والعزة هم “الباقون… وهم الفائزون”.
بهذا التحليل، يثبت خطاب الشيخ نعيم قاسم أنه ليس مجرد كلمة تأبينية، بل هو مستند سياسي وفلسفي يعزز مفهوم التحرير الشامل: تحرير الأرض من الاحتلال، وتحرير القرار من الوصاية الأمريكية، وتحرير الوعي من التضليل، وتحرير الدولة من التنازل والفساد. إنها دعوة إلى الصمود وصناعة المستقبل ، لأن “لا نقبل أن نصبح عبيدا لأحد”.
