في مدينة ساري

إقامة مؤتمر «سبل نشر ثقافة الغدير ونهج البلاغة» الدولي في إيران

شهدنا إقبالًا واسعًا من الباحثين على هذا الحدث العلمي، حيث وصل إلى الأمانة 191 مقالة، منها 30 مقالة من دول أجنبية.

انعقد المؤتمر الدولي «سبل نشر ثقافة الغدير وترويج نهج البلاغة» بمشاركة المفكرين والباحثين وأصحاب الرأي من داخل إيران وخارجها بمدينة ساري في شمال إيران.

 

 

إن المؤتمر الدولي للغدير بدأ يوم الأحد 4 ديسمبر برسالة فيديوية من آية الله العظمى جوادي آملي في جامعة آزاد الإسلامية ـ فرع ساري.

 

 

وجاء في رسالة آية الله العظمى جوادي آملي: نسأل الله تعالى أن يشمل نظامنا، ومسؤولي النظام رفيعي المستوى، وكل فرد من شعبنا الموالي بعناية خاصة من ولي العصر أرواحنا فداه، ونشكر جميعكم أيها الأعزاء الذين أضفتم وتضيفون ببحوثكم ومقالاتكم إلى الوزن العلمي لهذا المؤتمر وأمثاله، ونسأل الله أن يسجل حسنات الدنيا والآخرة في صحيفة أعمالكم جميعًا، من العلماء الروحانيين والسياسيين وسائر الطبقات الكريمة.

 

 

وأشار في رسالته إلى أن واقعة الغدير، المرتبطة بتبيين مقام الولاية والإمامة لعلي بن أبي طالب (ع)، إنما أفضل من يليق بتبيين الغدير إلى مقام الإمامة هو علي بن أبي طالب سلام الله عليه نفسه.

 

 

وأكد آية الله العظمى جوادي آملي في سياق المؤتمر الدولي للغدير على أن هذا الأمر وأمثاله ورد في كتاب «تمام نهج البلاغة»، وهو ذروة تبيين مقام الإمام علي بن أبي طالب (ع). وأضاف: أين يرضى النبي وأين يغضب؟ إن سلوكي وكلامي يظهر رضاه وغضبه، أي أنني لا أقبل ولا أعتقد ولا أقول ولا أعمل إلا بما جاء من الوحي. هذا الكتاب الشريف «تمام نهج البلاغة» يجب أن يكون في صلب برامجنا نحن العلماء والشيعة: كتابة المعاجم، إعداد الفهارس، شرح الكلمات. إنه بحر عميق مليء بالجواهر. نهج البلاغة الحالي ليس إلا جزءًا من ذلك الكتاب، ويجب أن يُنشر كتاب «تمام نهج البلاغة» في الحوزات العلمية والجلسات العلمية، خاصة في ديار العلويين.

 

 

وأضاف: إن وجود أمير البيان المبارك قد عرّف نفسه بأنه آية الله وآية رسول الله، أي النموذج الكامل للتوحيد والوحي والنبوة. وقد قال: إن الدين الذي اختاره الله للملائكة هو نفسه الذي اختاره لنا، لكن البشر لا يعرفون ما هي معارف القرآن الكريم والوحي. إن نفس التعاليم والعقائد التي حددها الله للملائكة ـ مثل أزلية الله، أبديته، خالقيته، قضية الحشر، قضية المعاد، سورة العصر ـ هي نفسها لنا. هذا هو دين الملائكة، والله اختار دين الملائكة لنا لكي يجعل الإنسان ملكًا.

 

 

وفي جزء آخر من رسالته، أشار إلى أن هذه مجرد لمحة من مقام الإنسانية، وقال: البرامج التي حددها الله للإنسان هي نفسها البرامج الملكوتية. الملائكة مكلفون بالإيمان بالمعارف التوحيدية، ونحن كذلك. هم مكلفون بالإيمان بالمعارف الوحيانية، ونحن كذلك. هم مكلفون بالخضوع والخشوع، ونحن كذلك. هم مكلفون بالعبادة، ونحن كذلك، لكن طريقة العبادة تختلف. وإلا فإن الدين الذي اختاره الله للبشر هو نفسه الذي اختاره للملائكة. هذا هو رسالة الغدير. لذلك فإن واجبنا الأول مع القرآن الكريم هو كتاب «تمام نهج البلاغة»: إعداد الفهارس، كتابة المعاجم، التوضيح، وما شابه ذلك. نهج البلاغة الحالي لا يُظهر أبدًا ذروة مقام الإمامة والولاية.

 

 

كما أشار في رسالته إلى ما يجري في غزة وأمثالها، حيث هناك أناس لا طبع لهم سوى الوحشية، لأنهم لم يصغوا إلى كلام الأنبياء. قال القرآن الكريم: «كالأَنعام بل هم أضل»، لأنهم نسوا أنفسهم ونسوا المعاد، فحُرموا من البرزخ والقيامة ومن إنسانية الإنسان. وما يجري في غزة من إسرائيل من هذا القبيل.

 

 

وفي ختام رسالته، خاطب المدعوين إلى المؤتمر الدولي للغدير قائلاً: أيها العلماء الكرام، المسؤولون السياسيون، أسر الشهداء، وسائر الأعزاء الذين لهم حق علينا، نسأل الله أن يتقبل أعمالكم، وأن يشمل الإمام الراحل، وقائدالثورة، وكبار بلدنا، وكل فرد من شعبنا، وشهداءنا الأعزاء، وذويهم بعنايته الخاصة، وأن يجعلنا إن شاء الله من أهل الغدير.

 

 

كما شكر مؤسسة الغدير الدولية وكل من ساهم ويساهم في هذا الطريق، سائلاً الله التوفيق للجميع.

 

 

التأكيد على مقام الإمام علي (ع) وضرورة إعادة قراءة معارف الغدير

 

 

من جهته تحدث آية الله السيد محمد موسوي، الباحث وصاحب كتاب «تمام نهج البلاغة»، في المؤتمر الدولي للغدير مكرّمًا مقام الإمام علي (ع)، وبيّن بعض مباحث الغدير. وأوضح أن الغدير نقطة تحول حفظت الإسلام المحمدي الأصيل من الانحراف، ورسمت خط الإمامة والولاية كامتداد للرسالة. وقال: واجبنا اليوم هو إعادة قراءة هذه الواقعة المصيرية، لا كحدث تاريخي فحسب، بل كنظام فكري وعملي حي وفاعل.

 

 

وأضاف: إن بعضهم حاول تقليص الغدير إلى مجرد رواية عاطفية محدودة، بينما الغدير نظام حكومي، نموذج للعدالة، وإطار كامل للحياة الفردية والاجتماعية. وأكد أن الحاجة اليوم هي استخراج هذا النظام من النصوص الأصيلة،خاصة من كلمات الإمام علي (ع).

 

 

وأشار إلى أن خدمة الشريف الرضي في جمع نهج البلاغة عظيمة، لكن كثيرًا من كلمات وخطب الإمام علي (ع) بقيت في مصادر أخرى، ويجب أن تصل الأمة إلى ميراث أكمل. وأوضح أن كتاب «تمام نهج البلاغة» هو جهد لجمع وتقديم كل ما ورد عن الإمام في المصادر المعتبرة الشيعية والسنية، ليتمكن الباحثون والناس من فهم أوسع لثقافة الغدير.

 

 

وأكد أن معرفة هذه الثقافة سلاح ضد الغزو الثقافي المادي والمنحرف في عصرنا، وأن مدرسة الإمامة قادرة على تلبية حاجات البشر اليوم في العدالة والأخلاق والروحانية.

 

 

إكمال وإحياء نهج البلاغة بنشر «تمام نهج البلاغة»

 

 

وفي نفس السياق تحدث آية الله السيد صادق موسوي الشيرازي عن تاريخ جمع نهج البلاغة، وأعلن عن نشر عمل بحثي واسع بعنوان «تمام نهج البلاغة» بهدف معالجة النواقص التاريخية والاستنادية لهذا الكتاب الشريف.

 

 

وأوضح أن الشريف الرضي واجه نصًا ناقصًا، وترك أوراقًا بيضاء ليضيف لاحقًا ما يجده مناسبًا، ما يعني أنه لم يعلن عمله مكتملًا.

 

 

وأشار إلى أن قائد الثورة الإسلامية في الثمانينات أثار قضية أن نص نهج البلاغة للشريف الرضي فيه بلاغة عالية لا يفهمها حتى الأدباء، وأن الترجمة الفارسية لا تنقل هذه البلاغة، لذا يجب البحث عن النصوص المفقودة داخل وخارج نهج البلاغة.

 

 

وبيّن أهداف المشروع: أولًا، أن يكون النص موثقًا بالمصادر والأسانيد. ثانيًا، أن يُنظّم موضوعيًا وتاريخيًا، لأن فهم الكلام دون سياقه التاريخي غير صحيح.

 

 

وأوضح سبب تسمية الكتاب «تمام نهج البلاغة» بدل «إكمال»، لأن «تمام» لا تقابل النقص، بل تعني الكمال. وأكد أنهم واجهوا صعوبات كبيرة في التوثيق، فجمعوا 1200 مصدر، وهو رقم غير مسبوق عالميًا.

 

 

وأشار إلى أن آية الله جوادي آملي أكد أن الفقهاء لم يستندوا إلى نهج البلاغة قبل هذا الكتاب، لكن بعده يمكن الاستناد إليه كما يُستند إلى كتاب «الكافي».

 

 

كما ذكر أن الكتاب قُدّم هدية إلى البابا في لبنان، وإلى شيخ الأزهر، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة في نيويورك، ليكون كلام الإمام علي (ع) في متناول جميع الأديان والمذاهب.

 

 

وختم بالقول: يجب على الباحثين أن يستفيدوا من هذا العمل لنقدّم مدرسة أهل البيت (ع) للعالم الذي سئم من الفكر التكفيري.

 

 

رسالة الغدير.. إجابة على أزمات العالم المعاصر

 

 

ووصف عبدالرضا بابائي، رئيس جامعة آزاد الإسلامية في مازندران، واقعة الغدير بأنها إطار أصيل وعالمي لمعالجة أزمات المجتمع المعاصر، مؤكّدًا أن عالم اليوم الذي يدور حول محور القوة والثروة عطشان للعدالة والأخلاق والروحانية، والغدير مشروع شامل لإرواء هذا العطش.

 

 

وفي جمع من العلماء والنخب والمسؤولين المحليين، أشار إلى كلام قائد الثورة حول الحاجة إلى نهج البلاغة، وقال: من أهم رسائل نهج البلاغة والغدير لنا أن القيادة تقوم على الكفاءة، لا على القوة والثروة كما هو الحال في العالم اليوم.

 

 

وأضاف بابائي مشيرًا إلى الأحداث العالمية: ما حدث بالأمس في فنزويلا مثال واضح لهذا النوع من القيادة في العالم، بينما الإمام علي (ع) في الغدير، بصفته تجسيد العلم والتقوى والعدالة والإدارة، يُقدَّم معيارًا إلهيًا وإنسانيًاللقيادة.

 

 

وأكد رئيس جامعة آزاد الإسلامية في مازندران على أولوية الأخلاق على الحسابات السياسية قصيرة المدى، وقال: وفق الحسابات السياسية آنذاك، لم يكن ينبغي أن تقع واقعة الغدير، لكنها كانت أمرًا إلهيًا. رسالتها اليوم أن القيم الأخلاقية والإنسانية لا ينبغي أن تُضحّى من أجل مصالح وقتية.

 

 

ووصف بابائي الغدير بأنه نموذج للوحدة، وقال: الغدير أراد أن تتحد الأمة بعد النبي حول قيادة محددة، لكن هذه الوحدة لا تعني نفي التنوع والحوار. في عالم اليوم المنقسم، الغدير نموذج للوحدة حول الحق، يمكن أن يكون أساسًا للتعاون الدولي والحوار بين الأديان.

 

 

وأشار إلى أن الوفاء بالعهد والميثاق ضرورة بشرية أخرى اليوم، وقال: نرى أنه في الوقت الذي يُتحدث فيه عن الحوار والتفاوض، تقع خيانة العهود من قبل الاستكبار العالمي. الغدير هو عهد إلهي وإنساني عظيم، والوفاء به معيارالإيمان.

 

 

وأكد على أن الغدير ليس يوتوبيا للعالم اليوم، بل نموذج عملي لبناء مجتمع إلهي وإنساني، أي السلام والأمن والسعادة للبشرية جمعاء.

 

 

 

معرفة ثقافة الغدير رهينة مواجهة الثقافات المناوئة وإعادة قراءة النصوص الأصيلة

 

 

وأكد ممثل ولي الفقيه في مازندران آية الله محمدباقر محمدي لائيني على  أن معرفة ثقافة الغدير مرهونة بمواجهة الثقافات المناوئة وإعادة قراءة النصوص الأصيلة، وعرض رؤيتين أساسيتين لترويج ثقافة الغدير.

 

 

وقال في جزء من حديثه مشيرًا إلى ضرورة معرفة دقيقة لثقافة الغدير: إن معرفة أي شيء، ومنها ثقافة الغدير، تتم عبر نظرتين؛ الأولى النظر إلى الثقافات المناوئة والمعارضة لها، فثقافة الغدير تتعارض مع ثقافات الجاهلية،والثقافة الأموية التي حوّلت الخلافة إلى ملكية، والثقافة الملكية، والثقافة الماركسية الإلحادية، والثقافة الليبرالية التي تهمّش الله.

 

 

وأضاف ممثل ولي الفقيه في مازندران: النظرة الثانية هي النظر إلى ثقافة الغدير نفسها والنص الذي انبثقت منه، وأبرزها نهج البلاغة.

 

 

وأشار عضو مجلس خبراء القيادة إلى الجهود العلمية لاستكمال وتنقيح النصوص المرتبطة بثقافة الغدير، وقال: كان الشريف الرضي والعلماء يعلمون أن ما هو موجود في نهج البلاغة ليس كل كلام الإمام علي (ع)، لذلك كان لا بد من جهد كبير لإعداد نهج بلاغة أكثر اكتمالًا. هذا العمل الكبير أنجزه المحقق الجليل آية الله موسوي، الذي بذل قرابة ثلاثين عامًا في تدوين «تمام نهج البلاغة».

 

 

مشاركة دولية

 

 

من جهته قال حجّة الإسلام عباس علي إبراهيمي، أمين المؤتمر: شهدنا إقبالًا واسعًا من الباحثين على هذا الحدث العلمي، حيث وصل إلى الأمانة 191 مقالة، منها 30 مقالة من دول أجنبية. وأضاف: إن هذه المقالات وردت من محافظة مازندران، وسائر المحافظات الإيرانية، ومن دول العراق، إيطاليا، فرنسا، الإكوادور، أفغانستان، الأرجنتين، بيرو، كولومبيا وباكستان، وباللغات الفارسية والعربية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية.

 

 

وأضح أن 52% من المقالات كتبها رجال والبقية كتبتها نساء، وأضاف: جميع المقالات جرى ترميزها وفق المعايير العلمية والمحتوى والأسلوب الكتابي، ثم أُحيلت إلى محكّمين متخصصين، حيث قيّم كل مقالة محكّمان اثنان.

 

 

وأكد أمين المؤتمر أن نتائج التحكيم أفرزت 25 مقالة متميزة، منها 17 مقالة بالفارسية و8 مقالات أجنبية، حيث سيُعرض جزء منها خلال جلسات المؤتمر، كما سيُزيح الستار عن كتاب يضم مجموعة المقالات.

 

 

وأشار إبراهيمي إلى أن باقي المقالات التي حصلت على الحد الأدنى من المعايير العلمية ستُنشر بعد تنظيمها في صيغة إلكترونية، وسيُتاح رابط الوصول إليها عبر موقع جامعة آزاد الإسلامية ـ فرع ساري، ومنصة «سيفيليكا»،وقاعدة بيانات العلوم في العالم الإسلامي (ISC) أمام الباحثين.

 

 

 

المصدر: الوفاق