يُعد فن المنمنمات في إيران مرآةً لتاريخها الثقافي، إذ تجاوز حدود الزخرفة ليصبح سجلاً بصرياً يعكس روح العصر. تمتد جذوره إلى الحضارات الإيلامية والاخمينية والساسانية، حيث زُخرفت الجدران والأواني بمشاهد دينية وملكية.
ومع دخول الإسلام، برز فن الخط والتذهيب قبل أن يزدهر التصوير في المخطوطات.
يُمثل تاريخ المنمنمات في إيران مساراً غنياً ورحلة طويلة من الإبداع، ما يؤكد مكانة إيران كأحد أعظم مراكز الفن الإسلامي عبر العصور، وفي الحقيقة فن المنمنمات في إيران سجل بصري حي، يجسد التاريخ والروح الثقافية،ويعكس تفاعل الفن مع الدين والحياة اليومية، فالمنمنمات الإيرانية تجتاز الحدود وتخطف الأبصار بجمالها.
تم تسجيل فن المنمنمات في فهرس اليونسكو عام 2020 م، بمشاركة أربعة دول هي إيران، أذربيجان، تركيا، وأوزبكستان، حيث كان الموضوع الأصلي في هذا الملف هو فن المنمنمات، بعبارة أخرى، تسجيل هذا الفن باسم إيران كان في إطار جغرافيا ثقافية مشتركة مع التركيز على الميزات العامّة لهذا الفن.
الفنون الإيرانية
الفنون الإيرانية كثيرة، وهناك صناعات يدوية تشتهر في العالم، كما نشهد إنتشار اللوحات الفنية التي تم رسمها بأسلوب المنمنمات في مختلف أنحاء العالم حيث تزين الأماكن، وتجذب الجميع، اللوحات التي منذ القِدَم حتى اليوم رسمها أساتذة إيرانيون، والذين بعضهم تم تسجيل أسلوبهم الخاص في رسم المنمنمات بإسمهم، منهم الأستاذ الراحل محمود فرشجيان الذي كان عبقرياً في هذا المجال، وكذلك الأستاذ كمال الدين بهزاد، الذي عاش في هرات وتبريز، وأخيراً في الإجتماع الأخير بمدينة «دهلي نو» تم تسجيل أسلوبه الخاص في مكتب هرات الذي يُسمى باسمه «أسلوب بهزاد» من قِبَل أفغانستان، في اليونسكو.
الأسلوب الذي يُعرف باسم «أسلوب بهزاد» في فن المنمنمات، من ناحية إستخدام الأساليب، طريقة إستخدام العمق البصري، والتلوين، هو ما تتميز به عن الأعمال الأخرى لهذا الفنان الإيراني، وبهذه المناسبة نقدّم نبذة قصيرة عن سيرته وأسلوبه، وكذلك أنموذجاً عن معارض المنمنمات الإيرانية والمتاحف في هذا المجال.
كمال الدين بهزاد
يُعد كمال الدين بهزاد من الأساتذة الذين لهم دور بارز في فن الرسم الإيراني في القرن الخامس عشر والسادس عشر، وكان يُسمى «سلطان الرسّامين».
نشاطاته تنقسم إلى فترتين أصلية، هما: أولاً فترة «مكتب هرات»، الذي بدأ نشاطه الفني هناك، تحت رعاية ملوك العصر التيموري، وفي تلك الفترة إبتعد عن الأسلوب التقليدي لدول أسيا الشرقية، واتجه نحو الحقيقة، وكانت تبرز في رسوماته الأحاسيس والحماس، وكان يستخدم الطبيعة.
وثانياً فترة «مكتب تبريز»، الذي كان بعد سقوط ملوك العصر التيموري وجاء بهزاد إلى مدينة تبريز بدعوة من شاه إسماعيل صفوي، وأصبح رئيس المكتبة الملكية في العصر الصفوي (بيت الرسم)، وحضوره في تبريز كانت نقطة عطف، حيث كان مؤسس فن المنمنمات في العصر الصفوي.
ميزات أعمال بهزاد
أما الذي يميز بهزاد عن الأساتذة الآخرين، هو إبداعه في بيان الأحاسيس وتركيب المواضيع في رسوماته، وبيان الحالات النفسية المعقدة، كالغضب، والسرور، والتحير بصورة مقبولة في الوجوه التي كان يرسمها في لوحاته.
وكذلك الجزئيات الغنية التي كان يرسمها من الطبيعة، من تركيب الألوان الى رسم الجزئيات في الحيوانات والنباتات، بألوان جلية وخيالية.كما أننا نشهد في أعماله العمق البصري، كأن لوحاته تدعو الإنسان للدخول في لوحاته.
أسبوع المنمنمات الإيرانية في روسيا
تُقام أسابيع فنية إيرانية في مختلف أنحاء العالم، حيث تواجه إقبالاً كبيراً، كما أُقيم في مدينتي سانت بطرسبورغ وموسكو أسبوع فن المنمنمات الإيرانية، متضمّناً ورشات تعليمية ومعارض لأعمال فنية فاخرة، بهدف تعريف الجمهور الروسي بالفن الإيراني الإسلامي الأصيل. من أبرز فعاليات أسبوع المنمنمات الإيرانية في روسيا، كانت تتمثل بإقامة ورشات تعليمية لعشّاق الفن الإيراني الإسلامي الأصيل، ومعارض لمنمنمات فنية متميزة.
وقد وصف الفنان الإيراني حسين عصمتي، الفن، بأنه «دبلوماسية فعّالة لا تحتاج إلى لغة وسيطة»، مؤكداً دور الفن في تعزيز التقارب بين الشعوب.
متحف «بهزاد»
متحف بهزاد في طهران مخصص للمنمنمات التي رسمها حسين بهزاد (1895-1968) الذي أحدث ثورة في الرسم الإيراني. ومن خلال دراسة الفن الأوروبي واستلهام أفكار كمال الدين بهزاد ورضا عباسي، قدم أسلوباً جديداً من المنمنمات على الورق أو الورق المقوى أو اللوح الليفي. هذا الأسلوب هو أسلوب إيراني بحت، لكنه إستمر في خطواته المعاصرة ومتابعة تغيرات الفن في مدارس الفن العالمية.