الوفاق/خاص/ مختار حداد
إنّ حضور رئيس السلك الدبلوماسي الإيراني في لبنان، لاسيما في ظلّ الظروف التي تعيش فيها المنطقة مخاض أحداث متنوعة، أكد مرة أخرى على عمق الروابط الاستراتيجية بين طهران وبيروت، وأثبت أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقف دائماً إلى جانب أصدقائها؛ لكن ما ميّز هذه الزيارة عن اللقاءات السابقة، هو التركيز الخاص على “الدبلوماسية الاقتصادية” إلى جانب المشاورات السياسية؛ وهو نهج يدل على ذكاء السلك الدبلوماسي في استثمار كافة القدرات لتأمين المصالح الوطنية وتعزيز العلاقات مع بيروت.
الوقوف إلى جانب أرز لبنان
كان البُعد السياسي والرمزي هو البُعد الأول وربما الأهم لهذه الزيارة.
إنّ وصول وزير الخارجية الإيراني إلى مطار رفيق الحريري في بيروت، في الوقت الذي تنظر فيه العديد من الدول بحذر إلى التطورات اللبنانية، بعث برسالة حازمة عن ثبات قدم إيران في تطوير العلاقات مع لبنان.
وقد دلّت اللقاءات المكثفة للدكتور عراقجي مع كبار المسؤولين اللبنانيين، بدءاً من جوزيف عون رئيس الجمهورية، إلى نواف سلام رئيس الوزراء اللبناني، وصولاً إلى نبيه بري رئيس البرلمان؛ وبالطبع اللقاء الهام مع نظيره اللبناني، على الإرادة الجادة لطهران في تطوير العلاقات والتأكيد على استقرار وأمن لبنان.
وفي هذه اللقاءات، وإلى جانب إبلاغه التحيات الحارة من كبار مسؤولي النظام، أكد وزير الخارجية على الإرادة الحاسمة لطهران لتطوير العلاقات الشاملة مع الحكومة اللبنانية.
وفي جميع هذه اللقاءات، كانت عبارة “تطوير العلاقات الشاملة” تُسمع بوضوح.
لقد أكدت إيران مرة أخرى أنها تعتبر أمن لبنان من أمنها، وأن الكيان الصهيوني اليوم يشكل خطراً كبيراً على المنطقة بأسرها.
ويُعدّ هذا الموقف الصريح، خاصة في الظروف التي لا يزال الكيان الصهيوني يقرع فيها طبول الحرب، سنداً قوياً للحكومة والشعب اللبناني.
وكان الاهتمام الخاص بالهيكلية الاجتماعية والطوائف المتعددة في لبنان جزءاً هاماً آخر من زيارة وزير الخارجية. فقد توجه الدكتور عراقجي في خطوة ذات دلالات عميقة؛ وبالإضافة إلى اللقاءات السياسية، للقاء كبار الزعماء الدينيين من الطوائف المختلفة.
حمل اللقاء مع نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وكذلك اللقاء مع مفتي الجمهورية اللبنانية (أهل السنة)، رسالة استراتيجية مفادها: “إيران داعمة لكل الشعب اللبناني”.
كما كان تقديم وزير الخارجية والوفد المرافق له الاحترام لمقام سيد شهداء الأمّة السيد حسن نصرالله من خلال الحضور عند المرقد الطاهر لذلك القائد الكبير للمقاومة، تأكيداً مرة أخرى على استمرار نهج المقاومة ضد احتلال الكيان الصهيوني.
التحرك على سكة الدبلوماسية الاقتصادية
لكن النقطة الجديرة بالاهتمام والتي ميزت هذه الزيارة، كانت بروز الجانب الاقتصادي فيها بشكل لافت. فأظهر لقاء الدكتور عراقجي مع “عامر البساط”، وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني، وكذلك عقد الاجتماع المشترك للفعاليات الاقتصادية للبلدين بحضور مساعد وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية الاقتصادية، أن طهران تنظر إلى العلاقات مع بيروت نظرة براغماتية وتنموية.
أثبتت هذه الزيارة أن القدرات الاقتصادية الهائلة قد وُضعت الآن بجدية على جدول أعمال وزارة الخارجية.
لا يزال لبنان، رغم التحديات الاقتصادية، بوابة مهمة نحو البحر المتوسط وسوقاً ذا إمكانات عالية للسلع والخدمات الفنية – الهندسية الإيرانية. في المقابل، يمكن لإيران بما تمتلكه من قدرات في مجالات الطاقة، والصناعات الدوائية، وإنشاء محطات الطاقة، أن تكون شريكاً موثوقاً لعبور لبنان من أزمة الطاقة وتأمين احتياجاته الأساسية.
وهذا النهج الجديد لا يصب في مصلحة اقتصاد البلدين فحسب، بل إنه ومن خلال خلق تعاون اقتصادي متبادل، يؤدي إلى ترسيخ دعائم العلاقات السياسية أيضاً. فالدبلوماسية الاقتصادية هي في الواقع مكمّلة ومقوّمة للدبلوماسية السياسية.
اجتماع الناشطین الاقتصاديین.. خطوة هامّة
شكّل عقد الاجتماع الاقتصادي للتجار وفعاليات القطاع الخاص الإيراني واللبناني على هامش هذه الزيارة، خطوة عملية لكسر الجليد في العلاقات التجارية. وكان الحضور المباشر للوزير ومساعده الاقتصادي بين التجار رسالة طمأنة للقطاع الخاص. ويرى الخبراء أن السوق اللبناني يرحب بالمنتجات الإيرانية.
من ناحية أخرى، يمكن للقطاع الخاص اللبناني، المعروف بمرونته وذكائه التجاري، أن يكون جسراً لتصدير البضائع الإيرانية إلى أسواق أفريقيا وأمريكا اللاتينية (حيث يتمتع التجار اللبنانيون بنفوذ كبير هناك). لذلك، لا ينبغي النظر إلى لبنان كسوق استهلاكي محدود فحسب، بل يجب اعتباره مركزاً (Hub) تجارياً إقليمياً.
لقد فتحت الزيارة الأخيرة للدكتور عراقجي نافذة الفرصة هذه، والآن جاء دور القطاعات المعنية لاستثمار هذه الأجواء.
الأهمية الزمنية للزيارة؛ إحباط الحرب النفسية للعدوّ
لا يمكن إغفال الأهمية الزمنية لهذه الزيارة. ففي الأيام التي كانت فيها الماكينة الحربية والإعلامية للغرب والكيان الصهيوني تحاول الإيحاء بانعدام الأمن وعدم الاستقرار في لبنان، يُعدّ حضور أرفع مسؤول دبلوماسي إيراني في بيروت حدثاً هاماً بحد ذاته.
الخلاصة: آفاق مشرقة في المستقبل
إنّ إنجازات هذه الزيارة، إذا ما ترافقت مع المتابعات المستمرة للجان الاقتصادية المشتركة والإرادة السياسية للطرفين، يمكن أن تدشّن فصلاً جديداً في العلاقات بين طهران وبيروت؛ فصلاً يكونان فيه؛ فبالإضافة إلى الصداقة العريقة بين البلدين والشعبين، شريكين تجاريين موثوقين لبعضهما البعض في مسار التنمية ورفاه شعبيهما.
لقد اتضح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن استراتيجية “التوجه نحو الجيران والمنطقة” في الحكومة الرابعة عشرة ليست شعاراً، بل هي خارطة طريق قيد التنفيذ، وبيروت هي إحدى النقاط الهامة في هذه الخارطة الاستراتيجية.
تبشر هذه الزيارة بأيام أكثر إشراقاً للتضامن الإقليمي والازدهار الاقتصادي في ظل التعاون بين دول المنطقة.