هذا هو شهر شعبان الذي كان رسول الله (ص) يدأب في صيامه وقيامه، في لياليه وأيامه، وهذا هو الشهر الذي نلتقي باليوم الثالث منه بولادة سيدنا الإمام الحسين بن علي (ع)، التي كانت فرحاً كبيراً لعليّ وفاطمة (عليهما السلام) بعد فرحهما بالإمام الحسن (ع)، وكانت فرحاً لرسول الله (ص) الذي أحبّ الحسن والحسين (ع)، حتى رُوي عنه في أكثر من مصدر بروايات المسلمين جميعاً أنه قال: “اللهم إني أحبهما، فأحبهما وأحبّ من يحبهما”، كما ورد عنه (ص) قوله: “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”، وقال عن الحسين (ع): “حسين مني وأنا من حسين”، وكان يضمهما ويحضنهما ويلاعبهما، كانا أنسه الذي يأنس به ويخفف عنه كل آلامه عندما كان (ص) ينظر إليهما.
ولادة الحسين (ع).. فرح الرسالة
وعندما نعيش ذكرى مولد الإمام الحسين (ع)، فإننا نفرح به، في الوقت الذي نعيش الحزن الكبير عليه، وفرحنا بالحسين(ع) هو الفرح بالرسالة التي حملها وعاش كل حياته من أجلها، وقد تحرك بطلب الإصلاح في أمّة جده(ص) ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بالكلمة الطيبة، وبالموقف الصلب، وبالجهاد الصعب. عندما نتمثل الحسين (ع)، فإننا نتمثل فيه رسول الله (ص) في كل أخلاقه وصفاته التي تمثلت في شخصيته، كان الحسين (ع) تجسيداً لجده رسول الله (ص) في روحانيته وعلمه وخلقه، وفي كل الصفات المميزة، وكان تجسيداً لعليّ (ع) في شجاعته وبطولته وإقدامه وجرأته وصلابته في الحق، كما كان تجسيداً لطهر الزهراء (ع) وصفائها ونقائها وروحانيتها.
معرفته(ع) طريق الصواب
هكذا كان الإمام الحسين (ع) الذي كان الناس يحبونه، ولكنهم كانوا لا يعرفونه جيداً، فلم يواجهوا مسؤوليتهم في اختيار الإمام الذي تتمثل فيه كل عناصر الإمامة الحقة، سواء في شرعيته في الإمامة، أو في صفاته التي يتميّز بها عن الناس كلهم آنذاك. كانت مشكلة الإمام الحسين (ع) كمشكلة أبيه (ع)، وكمشكلة كثير من الأنبياء والمصلحين، الذين جاءوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فاستبدلوهم بالذين جاءوا ليخرجوهم من النور إلى الظلمات، ولينحرفوا بهم عن الحق، وإلا فأين الحسين (ع) وأين يزيد، وأين عليّ (ع) وأين الذين تقدموه وحاربوه، وأين الحسن (ع) وأين معاوية؟
إن هؤلاء العظام (ع) عاشوا في زمان لم يرتفع فيه الناس إلى مستوى معرفتهم وفهمهم وتأكيد قوة الإرادة في الوقوف معهم. ومن خلال هذا، لا بد أن نستوحي من تلك المشكلة التي عاشها الأئمة (ع)، ومن قبلهم الأنبياء (ع)، كيف يجب علينا أن نميّز بين السائرين في الخط المستقيم وبين السائرين في الخط المنحرف، بين من يفتح عقول الناس على الحق وبين من يسير بالناس نحو الباطل. عندما نعيش الفرح بالحسين الرسالة والجهاد والتضحية والشهادة والقوة، فإن علينا أن نبقى معه، لا أن نذرف مجرد دموع حزينة تنطلق من إحساسنا بالمأساة.
لنكن حركة في خط الإسلام
في ذكرى مولد الإمام الحسين (ع)، لا بدّ لنا أن نولد مسلمين حسينيين منفتحين على ما عاش الحسين (ع) له واستشهد من أجله، وفي مولد العباس (ع)، علينا أن نولد بولادته من جديد، لتولد فينا بصيرته النافذة، وإيمانه الصلب، وثباته في الموقف، وإخلاصه لله ولرسوله ولرسالته، ولا بدّ أن تمنحنا هذه الذكريات القوة في خط الإسلام، عندما نسير في كل مواقعه في مواجهة كل الكافرين والمستكبرين الذين يريدون إكفاء الإسلام على وجهه وإضعافه.
لنقف وليقل كل واحد منا، سواء في ساحة المعركة المسلّحة أو ساحة المعركة الثقافية أو السياسية: إني أحامي أبداً عن ديني، ليكون كل مجتمعنا حركة في خط الإسلام، وهذا ما نقرأه دائماً في “دعاء الافتتاح”: “اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة”. أن نكون معهم في كل المواقف، مع رسول الله (ص)، ومع عليّ (ع)، ومع الحسن والحسين وكل الأئمة(ع) ، إنهم “أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنـزيل”، {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}.