حين أعلنت الصين قرارها بالتخلي عن البرمجيات الأميركية والصهيونية، لم يكن الأمر مجرد تحديث إداري أو خطوة تقنية روتينية، بل كان إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة طويلة من الهيمنة الرقمية التي مارستها واشنطن وتل أبيب على العالم. لعقود، استخدمت الولايات المتحدة التكنولوجيا كسلاح سياسي، وفرضت عبره نفوذاً عابراً للحدود، بينما تحول كيان العدو إلى ذراع تجسسية متقدمة تعمل في الظل، وتبيع أدوات اختراق للدول كما تُباع الأسلحة في الأسواق السوداء.
الصين، التي خبرت جيداً كيف تُستخدم البرمجيات الغربية كقنوات خلفية للتجسس والضغط، قررت أن تضع حداً لهذه اللعبة. قرارها لم يكن مجرد رد فعل، بل خطوة استراتيجية محسوبة تهدف إلى تفكيك منظومة الابتزاز الرقمي التي بنتها واشنطن وتل أبيب، وإعادة رسم قواعد القوة في الفضاء السيبراني العالمي.
الولايات المتحدة.. من شريك تجاري إلى خصم رقمي
لم يكن الصدام بين الصين والولايات المتحدة وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من المواجهات التي بدأت مع الحرب التجارية، وتحوّلت تدريجياً إلى حرب تكنولوجية مفتوحة. واشنطن التي لطالما قدّمت نفسها كحامية «حرية الإنترنت»، كانت في الواقع تستخدم شركاتها العملاقة كأدوات مراقبة عالمية، من «مايكروسوفت» إلى «غوغل» و«أبل».
الصين أدركت مبكراً أن هذه الشركات ليست مجرد كيانات اقتصادية، بل امتداد مباشر للاستخبارات الأميركية. فكل تحديث، وكل خدمة سحابية، وكل بروتوكول أمني، كان يحمل احتمالاً كامناً بأن يتحول إلى ثغرة تُستغل في لحظة سياسية مناسبة.
ومع تصاعد العقوبات الأميركية على الشركات الصينية، بدا واضحاً أن واشنطن لا تريد منافسة عادلة، بل تريد احتكار التكنولوجيا وفرض تبعية رقمية على العالم. قرار بكين بالتخلي عن البرمجيات الأميركية جاء كصفعة مباشرة لهذا الاحتكار، وكإعلان أن زمن الهيمنة الرقمية الأميركية يقترب من نهايته.
العدو الصهيوني رمز الانتهاكات الرقمية
إذا كانت الولايات المتحدة تمارس التجسس الرقمي بغطاء الشركات العملاقة، فإن كيان العدو يمارسه عبر شركات صغيرة لكنها شديدة الخطورة، مثل NSO Group التي تحولت إلى رمز للانتهاكات الرقمية.
برنامج «بيغاسوس» لم يكن مجرد أداة اختراق، بل مشروعاً استخباراتياً عابراً للقارات، استُخدم للتجسس على رؤساء دول وصحافيين ومعارضين. الصين، التي تراقب بدقة كل ما يتعلق بالأمن القومي، لم تكن لتسمح بوجود برمجيات صهيونية داخل بُنيتها التحتية، خصوصاً أن تل أبيب ترتبط بتحالف استراتيجي عميق مع واشنطن، وتشاركها في كثير من العمليات الاستخباراتية.
بالنسبة لبكين، البرمجيات الصهيونية ليست مجرد منتجات تجارية، بل أدوات تجسس مصممة لخدمة أجندات سياسية، واستخدامها داخل الصين يشبه فتح الباب الخلفي أمام أجهزة استخبارات أجنبية. لذلك، جاء القرار الصيني ليغلق هذا الباب نهائياً، ويضع حداً لنفوذ تل أبيب في واحدة من أهم الساحات التكنولوجية في العالم.
الصين تبني عالمها الرقمي بعيداً عن الغرب
الصين لم تكتفِ برفض البرمجيات الأميركية والصهيونية، بل شرعت في بناء منظومتها الرقمية الخاصة، من أنظمة التشغيل إلى منصات الذكاء الاصطناعي. هذا التحول لم يكن مجرد استبدال أدوات بأخرى، بل إعادة صياغة كاملة لفلسفة الأمن السيبراني.
بكين تبني اليوم نموذجاً تكنولوجياً مستقلاً، لا يخضع للابتزاز السياسي، ولا يسمح لأي جهة خارجية بالتسلل إلى بياناتها. شركات مثل «هواوي» و«علي بابا» و«تينسنت» أصبحت قادرة على إنتاج حلول أمنية تضاهي، بل تتفوق في بعض المجالات، على نظيراتها الأميركية.
هذا الاستقلال الرقمي يزعج واشنطن وتل أبيب، لأنهما تدركان أن فقدان القدرة على مراقبة الداخل الصيني يعني فقدان جزء كبير من نفوذهما العالمي. الصين، ببساطة، قررت أن تكتب قواعد اللعبة بنفسها، وأن تخرج من دائرة السيطرة الغربية التي فُرضت عليها لعقود.
الانقسام الرقمي العالمي..واشنطن تخسر مركزها
قرار الصين لم يبقَ داخل حدودها، بل بدأ يخلق موجات ارتدادية في العالم. دول كثيرة، خصوصاً في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بدأت تنظر إلى النموذج الصيني كبديل آمن وفعّال عن النموذج الأميركي– الصهيوني.
واشنطن التي كانت تفرض شروطها على الدول عبر التكنولوجيا، تجد نفسها اليوم أمام منافس قادر على تقديم حلول أرخص، وأكثر أماناً، وأقل ارتباطاً بالأجندات السياسية. أمّا كيان العدو، الذي بنى جزءاً كبيراً من اقتصاده على تصدير أدوات التجسس، فيواجه اليوم خطر فقدان أسواقه، خصوصاً إذا بدأت الدول تدرك حجم المخاطر التي تحملها هذه البرمجيات.
العالم يدخل مرحلة جديدة من الانقسام الرقمي، إذ لم تعُد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد، ولم يعُد كيان العدو صاحب اليد العليا في الأمن السيبراني. الصين، بخطوتها الجريئة، دفعت العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، لا مكان فيه للاحتكار الغربي.
الأمن القومي الصيني..من الدفاع إلى المبادرة
الصين لم تعد تكتفي بالدفاع عن نفسها، بل أصبحت لاعباً هجومياً في ساحة الحرب السيبرانية. قدراتها في اختراق الشبكات الأجنبية وتعطيل البُنى التحتية الرقمية باتت جزءاً من قوتها الاستراتيجية.
ومع التخلص من البرمجيات الأميركية والصهيونية، أصبحت بكين أكثر قدرة على تطوير أدوات هجومية دون الخوف من الاختراق أو التجسس.
هذا التحول يقلق واشنطن وتل أبيب، لأنهما تدركان أن الصين لم تعد مجرد دولة تتلقى الهجمات، بل دولة قادرة على الرد، وعلى فرض معادلات جديدة في الفضاء السيبراني.
الصين تكتب مستقبلها..والغرب يفقد احتكاره
قرار الصين التخلي عن البرمجيات الأميركية والصهيونية هو إعلان عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة كانت فيها واشنطن وتل أبيب تتحكمان بمفاتيح الأمن الرقمي العالمي، ومرحلة جديدة تتقدم فيها الصين بثقة نحو بناء منظومة مستقلة لا تخضع للابتزاز ولا للهيمنة.
العالم يتغير بسرعة، والقوة لم تعد تُقاس بالصواريخ والطائرات فقط، بل بالقدرة على حماية البيانات والسيطرة على الفضاء السيبراني.
الصين فهمت هذه الحقيقة مبكراً، واتخذت قراراً سيُغير شكل العالم الرقمي لعقود قادمة. أمّا الولايات المتحدة وكيان العدو، فسيضطران عاجلاً أم آجلاً إلى مواجهة واقع جديد: لم تعُد التكنولوجيا حكراً عليهما، ولم يعُد العالم يقبل بأن يكون رهينة برمجياتهما.