وفي هذا المشروع، ومن خلال دراسة دقيقة لنسبة الطول إلى القطر للنانوبلورات السليلوزية ومستوى تحميلها، جرى إنشاء بنية شاملة شبكية تُعرف باسم «الشبكة الفائقة الترابط المتداخلة» (PIN)، التي تعيد إنتاج سلوك المواد الفوقية (الميتامواد) داخل الغشاء. وتُشكّل هذه الشبكة مسارات منتظمة ومضبوطة لعبور المياه، وفي الوقت نفسه تمنع التوسّع المفرط في البنية الذي يؤدي إلى تراجع كفاءة إزالة الأملاح. وتُظهر النتائج أن تحميل 0.50 في المئة وزناً من CNC ذات النسبة الطولية العالية يوفّر أفضل أداء، ويمكن أن يعزّز كفاءة أغشية التحلية المستخدمة في المياه قليلة الملوحة.
وتشهد أزمة المياه العذبة العالمية منذ سنوات دفعاً متزايداً للدول نحو تطوير تقنيات فعّالة في مجال تحلية المياه. ومع تصاعد الطلب على المياه الصالحة للشرب والاستخدام الصناعي، أصبحت الأغشية البوليمرية من أهم أدوات الفصل في معالجة المياه. غير أن هذه الأغشية تواجه معضلة قديمة، تتمثل في تحسين المتانة الميكانيكية ونفاذية الماء وقدرة إزالة الأملاح في الوقت نفسه، إذ إن تعزيز إحدى هذه الخصائص يؤدي غالباً إلى إضعاف خاصية أخرى، وقد حدّ هذا التعارض البنيوي من التقدم الصناعي. ويُعد العثور على بنية قادرة على تحسين هذه المؤشرات الثلاثة معاً أحد الأهداف الأساسية لأبحاث الأغشية خلال العقد الأخير.
في مواجهة هذا التحدي، تمكّن فريق من الباحثين في جامعة أميركبير الصناعية، من خلال دراسة خصائص النانوبلورات السليلوزية وكيفية ترتيبها داخل مصفوفة بوليمرية، من تطوير غشاء نانوي جديد قادر على تجاوز هذا القيد التاريخي. وتعتمد المادة الأساسية لهذا الغشاء على ثنائي أسيتات السليلوز (CDA)، وهو أحد البوليمرات المستقرة والمتاحة والملائمة لتطبيقات الفصل. ويُعد العنصر المحوري في هذا البحث النانوبلورات السليلوزية (CNC)، وهي تراكيب مستخلصة من السليلوز الطبيعي، وتتميز بنسبة طول إلى قطر مرتفعة، ومتانة ميكانيكية ملحوظة، ومساحة سطح فعّالة كبيرة، ما يمنحها تطبيقات واسعة في علوم النانو.
يعود دور المكوّن النانوي في هذا المشروع في الأساس إلى كيفية ترتيب وتشكيل النانوبلورات السليلوزية (CNC) داخل الغشاء. وقد أظهر الباحثون أن مجرد وجود الجسيمات النانوية لا يكفي، بل إن نوع الشبكة التي تُشكّلها هذه القضبان النانوية هو العامل الحاسم في تحديد الخصائص النهائية للمادة. وتُعد نسبة الطول إلى القطر (Aspect Ratio) والنسبة الوزنية للـCNC العاملين الرئيسيين اللذين يرسمان أنماطاً مختلفة من التشابك وبناء الشبكات، إذ يمكن أن تتراوح هذه الأنماط بين توزّع عشوائي ومبعثر وتشكيل شبكة متشابكة متصلة.
في هذا البحث، جرى دراسة أربع نسب تحميل وزني للنانوبلورات السليلوزية ذات النسبة الطولية العالية بلغت 0.15 و0.25 و0.50 و0.75 في المئة. وأظهرت نتائج الاختبارات الميكانيكية واللزجة‑المرنة (الفيزوكوالاستيكية) والفصل أنه عند النسب المنخفضة (0.15 و0.25 في المئة)، تكون النانوبلورات السليلوزية موزعة بشكل متفرق أو ضمن شبكة ضيقة ولكن محدودة. غير أنه ابتداءً من نسبة تحميل 0.50 في المئة وما فوق، تتشكل بنية جديدة، وهي شبكة أطلق عليها الباحثون اسم «الشبكة الفائقة الترابط المتداخلة» (Pervasive Interconnected Network – PIN).
وتمثل هذه الشبكة بنية متصلة وواسعة من القضبان النانوية، لا تؤدي فقط إلى زيادة متانة الغشاء، بل تغيّر أيضاً السلوك الديناميكي لعبور الجزيئات والأيونات. وفي الأغشية التقليدية، فإن زيادة سرعة نفاذ الماء تؤدي إما إلى انخفاض كفاءة إزالة الأملاح، أو تجعل بنية الغشاء بحاجة إلى سماكة أكبر لضمان أداء مستقر؛ لكن في الغشاء المُصمَّم في جامعة أميركبير للتكنولوجيا، فإن التركيب الأمثل الذي يحتوي على 0.50 في المئة من النانوبلورات السليلوزية ذات النسبة الطولية العالية يوفّر مسارات مزدوجة ومضبوطة لعبور جزيئات الماء. وتُعرف هذه المسارات اصطلاحاً باسم المسارات ثنائية الاستمرارية (Bi‑continuous pathways)، والتي تُظهر، استناداً إلى التحليلات الكهروستاتيكية والفيزيائية، دوراً محورياً في التحكم بمرور الأيونات.
يؤدي وجود هذه الشبكة إلى جعل الغشاء أكثر مقاومة لتغيّرات الضغط والأحمال الميكانيكية. كما أن تعزيز المتانة الميكانيكية يتيح للغشاء العمل تحت ضغوط تشغيلية أعلى من دون أن يتعرض الهيكل البوليمري للانهيار أو التمزق. وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة في عمليات تحلية المياه قليلة الملوحة، حيث تكون الضغوط التشغيلية مرتفعة نسبياً.