ورسم نفوذها الأمني

عقيدة البنتاغون 2026.. من إعادة ترتيب أولويات أمريكا إلى تحديد ملامح هيمنتها

تعكس استراتيجية الدفاع القومي لعام 2026 اعترافًا ضمنيًا بأن العالم لم يعُد أحادي القطب، فصعود قوى جديدة، وتراجع القدرة على فرض الإرادة بالقوة العسكرية وحدها، كلها عوامل تجعل من الصعب على أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تدير النظام الدولي بمفردها

حين تعلن وزارة الحرب الأمريكية استراتيجية الدفاع القومي لعام 2026، فهي لا تصدر مجرد وثيقة تقنية موجهة للخبراء العسكريين، بل تقدم في الواقع مرآة عميقة تعكس كيف ترى واشنطن العالم، وكيف تقرأ موازين القوى، وأين تضع نفسها في خريطة التحديات المقبلة. هذه الاستراتيجية ليست نصًا معزولًا عن السياق، بل تأتي في لحظة عالمية مضطربة، تتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع الأزمات الاقتصادية، وتتصادم فيها مشاريع الهيمنة مع صعود قوى جديدة تحاول كسر احتكار القرار الدولي.

 

في هذه الوثيقة، يتقدم الأمن الداخلي إلى الواجهة، وتتبلور رؤية أكثر حذرًا تجاه الصراع مع الصين، ويتواصل التعامل مع روسيا بوصفها خصمًا يجب احتواؤه لا إسقاطه، فيما تُعاد صياغة مفهوم الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي. وفي خلفية كل ذلك، يظهر إدراك أمريكي متزايد بأن زمن السيطرة المنفردة على النظام الدولي يتآكل، وأن الحفاظ على النفوذ يتطلب إعادة تموضع، لا مجرد زيادة في الإنفاق العسكري أو توسيع في رقعة الانتشار.

 

الأمن الداخلي أولًا

 

من أبرز ملامح استراتيجية الدفاع القومي لعام 2026 عودة الأمن الداخلي إلى صدارة الاهتمام. بعد عقود من الانخراط في حروب بعيدة، من أفغانستان إلى العراق، ومن تدخلات مباشرة وغير مباشرة في مناطق مختلفة من العالم، يبدو أن واشنطن تعترف اليوم بأن التهديدات التي تواجهها لم تعد فقط خارج حدودها، بل في قلب بُنيتها الداخلية.

 

هذا التحول لا يأتي من فراغ. فالمجتمع الأمريكي يعيش منذ سنوات حالة استقطاب سياسي حاد، وتوترات عرقية واجتماعية متكررة، واحتجاجات واسعة على عنف الشرطة، كما شهدت البلاد هجمات داخلية، بعضها ذو طابع فردي، وبعضها الآخر مرتبط بشبكات متطرفة. إلى جانب ذلك، تتعرض البنى التحتية الحيوية لهجمات سيبرانية متزايدة، تستهدف شبكات الطاقة والاتصالات والمؤسسات المالية، ما يجعل مفهوم «الدفاع عن الوطن» أكثر تعقيدًا من مجرد حماية الحدود.

 

في هذا السياق، يصبح التركيز على الأمن الداخلي اعترافًا بأن القوة العسكرية الخارجية لا يمكن أن تعوّض هشاشة الداخل. فالدولة التي تريد أن تحافظ على موقعها في النظام الدولي تحتاج أولًا إلى مجتمع متماسك، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تحظى بالثقة. ومن هنا، يمكن قراءة هذه الاستراتيجية بوصفها محاولة لإعادة ترميم أمريكا من الداخل، قبل الاستمرار في لعب دور الحارس على أسوار العالم، لكن هذه العودة إلى الداخل لا تعني الانكفاء الكامل، بل إعادة توزيع للموارد والاهتمام.

 

الصين أولًا.. خصم استراتيجي أم شريك لا يمكن الاستغناء عنه؟

 

تضع الاستراتيجية الجديدة الصين في مقدمة التحديات، لكنها تفعل ذلك بنبرة مختلفة عن الخطاب التصعيدي الذي ساد في السنوات الماضية. فبدل الحديث عن مواجهة مباشرة أو صراع حتمي، تتحدث الوثيقة عن الردع، وإظهار القوة، ومنع الخصم من تغيير قواعد اللعبة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

 

هذا التوازن في اللغة يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة العلاقة المعقدة بين واشنطن وبكين. فالصين ليست مجرد خصم عسكري محتمل، بل هي أيضًا شريك اقتصادي ضخم، ومركز صناعي عالمي، وقوة تكنولوجية صاعدة. أي مواجهة شاملة معها لن تكون مجرد معركة بين جيشين، بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا، ينعكس على الأسواق، وسلاسل التوريد، والاستقرار المالي الدولي.

 

مع ذلك، لا تخفي الاستراتيجية القلق الأمريكي من صعود الصين، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والقدرات البحرية، وتوسيع النفوذ في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ومن هنا، يأتي التركيز على تعزيز التحالفات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من اليابان وكوريا الجنوبية إلى أستراليا والهند، في محاولة لبناء طوق استراتيجي يحد من قدرة بكين على فرض أمر واقع جديد في المنطقة.

 

 

روسيا ثانيًا.. خصم يجب احتواؤه لا إسقاطه

 

تأتي روسيا في المرتبة الثانية ضمن خريطة التحديات التي ترسمها الاستراتيجية الأمريكية. لكن طريقة تناولها تختلف عن التعامل مع الصين. فموسكو تُقدَّم بوصفها قوة عسكرية تقليدية، تمتلك ترسانة نووية ضخمة، وتستخدم القوة الصلبة بشكلٍ مباشر، كما حدث في أوكرانيا.

 

الاستراتيجية تقوم على احتواء ومنع روسيا من توسيع نفوذها على حساب حلفاء واشنطن، خصوصًا في أوروبا الشرقية. وهذا يعكس استمرارًا لنهج «الاحتواء» الذي طبع السياسة الأمريكية تجاه موسكو منذ الحرب الباردة، مع تعديلات تفرضها الظروف الراهنة.

 

من «الشرطي العالمي» إلى «قائد شبكة الحلفاء»

 

من العناصر المحورية في استراتيجية الدفاع القومي لعام 2026 التأكيد على ضرورة زيادة تقاسم الأعباء بين الحلفاء. هذا المبدأ ليس جديدًا في الخطاب الأمريكي، لكنه اليوم يأخذ بعدًا أكثر إلحاحًا، في ظل الضغوط الاقتصادية، وتزايد التحديات، وتراجع الاستعداد الشعبي لتحمل كلفة الحروب الخارجية.

 

الاستراتيجية تعكس قناعة متنامية داخل واشنطن بأن نموذج «الشرطي العالمي» الذي يتدخل في كل مكان، ويدفع الفاتورة الأكبر، لم يعد قابلًا للاستمرار. بدلًا من ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى لعب دور «قائد شبكة الحلفاء»، الذي يضع الإطار الاستراتيجي، ويوفر المظلة النووية والتكنولوجية، لكنه يطالب الشركاء بتحمل نصيب أكبر من الكلفة، سواء في أوروبا أو آسيا أو مناطق أخرى.

 

لكن تقاسم الأعباء لا يقتصر على الجانب المالي أو العسكري، بل يشمل أيضًا البُعد السياسي. فواشنطن تريد من حلفائها أن ينسجموا مع رؤيتها للعالم، وأن يدعموا مواقفها في المحافل الدولية، وأن يشاركوا في إدارة الأزمات، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو عبر الانخراط في عمليات حفظ السلام أو دعم الحكومات الحليفة.

 

نصف الكرة الغربي.. إعادة تثبيت الهيمنة في «الفناء الخلفي»

 

إحدى النقاط اللافتة التي تثيرها صحيفة «بوليتيكو» في قراءتها للاستراتيجية هي القول إن الوثيقة تهدف إلى «الهيمنة في نصف الكرة الغربي». هذا التعبير يعيد إلى الأذهان عقيدة قديمة في السياسة الأمريكية، ترى في القارة الأمريكية، شمالًا وجنوبًا، مجالًا حيويًا لا يُسمح لقوى أخرى بالتغلغل فيه.

 

في العقود الأخيرة، ومع انشغال واشنطن بحروب الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، شهدت أمريكا اللاتينية تحولات سياسية واقتصادية، وصعود قوى إقليمية، وتنامي حضور دول كبرى من خارج المنطقة، سواء عبر الاستثمارات أو التعاون العسكري أو النفوذ السياسي. هذا الواقع الجديد يبدو أنه أثار قلقًا متزايدًا في واشنطن، التي بدأت تعيد النظر في كيفية إدارة علاقتها مع دول الجنوب.

 

هل تكفي إعادة التموضع للحفاظ على التفوق؟

 

في العمق، تعكس استراتيجية الدفاع القومي لعام 2026 اعترافًا ضمنيًا بأن العالم لم يعُد أحادي القطب كما كان بعد نهاية الحرب الباردة. صعود قوى جديدة، وتنامي أدوار إقليمية، وتراجع القدرة على فرض الإرادة بالقوة العسكرية وحدها، كلها عوامل تجعل من الصعب على أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تدير النظام الدولي بمفردها.

 

واشنطن، في هذه الاستراتيجية، تعترف بأن هذا الموقع يحتاج إلى أدوات جديدة: تحالفات أوسع، إدارة أزمات بدل خوض حروب شاملة، وتركيز أكبر على الداخل.

 

لكن السؤال يبقى مفتوحًا: هل تكفي هذه التعديلات للحفاظ على التفوق الأمريكي؟ فالصين تواصل صعودها الاقتصادي والتكنولوجي، وروسيا رغم أزماتها لا تزال لاعبًا عسكريًا لا يمكن تجاهله، وقوى أخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تبحث عن أدوار أكبر، فيما تتزايد الأزمات العابرة للحدود، من التغير المناخي إلى الأوبئة إلى الأزمات المالية.

 

المصدر: وكالات