لحظة مفصلية على حافة الانفجار

غزة في زمن الانتظار القاتل.. المعابر أوراق ابتزاز واحتلال يلوّح بالنار

 الصراع على المعبر يعكس صراعاً أوسع على من يملك القرار في غزة، فالمعبر ليس مجرد ممر، بل رمز للسيادة، ومن يسيطر عليه يملك جزءاً من مستقبل القطاع

 

في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا بالإنسان، وتختلط فيها حسابات القوة مع آلام الشعب الفلسطيني، تبدو غزة وكأنها تعيش على حافة زمن معلّق. المرضى ينتظرون فتح معبر رفح كمن ينتظر نسمة هواء في غرفة مغلقة، فيما تتسابق التصريحات العسكرية الصهيونية حول خطط لاجتياح مناطق جديدة داخل القطاع. وبين ضغط الحاجة الإنسانية وتهديد القوة، تتشكل صورة معقدة لا يمكن قراءتها من زاوية واحدة.

 

المنظومة الصحية المنهارة، والاتفاقات المتعثرة، والتهديدات المتصاعدة، كلها عناصر تُعيد رسم المشهد الفلسطيني في لحظة حساسة. وفي الخلفية، تتفاعل الضفة الغربية مع موجة جديدة من العنف، بينما تتقدم الفصائل الفلسطينية بخطوات حذرة نحو ترتيبات سياسية قد تغيّر شكل الإدارة في غزة، من دون أن تغيّر جوهر الصراع.

 

وسط هذا التشابك، يصبح السؤال الأساسي: إلى أين تتجه غزة؟ وهل يقود الانتظار الطويل إلى انفراج، أم إلى فصل جديد من المواجهة؟ الإجابة لا تبدو قريبة، لكن ملامح المرحلة تتشكل بوضوح أكبر مع كل تصريح، وكل تحرك عسكري، وكل شهيد يرتقي عند حاجز أو في شارع ضيق من شوارع القطاع.

 

 

غزة بين الانهيار الصحي وانتظار فتح المعبر

 

تعيش غزة اليوم واحدة من أكثر لحظاتها الإنسانية قسوة. فبعد شهور طويلة من الحرب والحصار، انهارت المنظومة الصحية بشكلٍ شبه كامل. المستشفيات تعمل بأقل من طاقتها، الأدوية شحيحة، والكوادر الطبية منهكة، والجرحى يتكدسون في الممرات. وفي ظل هذا الانهيار، يصبح معبر رفح ليس مجرد نقطة عبور، بل شريان حياة.

 

المرضى الذين ينتظرون فتح المعبر لا ينتظرون سفراً عادياً، بل ينتظرون فرصة للبقاء. كثيرون منهم يحتاجون إلى عمليات عاجلة لا يمكن إجراؤها داخل القطاع، وبعضهم يعيش على أجهزة تحتاج إلى صيانة أو كهرباء مستقرة، وهي شروط شبه مستحيلة في غزة اليوم.

 

لكن هذا الانتظار الإنساني يصطدم بجدار سياسي وأمني معقد. فالعدو الصهيوني يماطل في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ويربط فتح المعبر بشروط سياسية وأمنية، أبرزها ما يتعلق بسلاح المقاومة وإعادة الإعمار. هذا الربط يجعل من المعبر ورقة ضغط، ويحوّل المرضى إلى رهائن في لعبة تفاوضية قاسية.

 

وفي المقابل، تؤكد حركة المقاومة حماس استعدادها لنقل كامل الحكم في غزة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية، في خطوة تعكس رغبة في تخفيف الضغط الدولي والإنساني، لكنها أيضاً محاولة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي بطريقة لا تُفقد الحركة حضورها السياسي. غير أن هذه الخطوة تصطدم بموقف صهيوني يصر على فرض إشراف سياسي مباشر على القطاع، ما يجعل أي اتفاق هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار.

 

هكذا يتحول معبر رفح إلى رمز، رمز لعجز النظام الدولي عن حماية المدنيين، ورمز لصراع الإرادات بين الاحتلال وفصائل المقاومة، ورمز لمدى هشاشة الاتفاقات في ظل غياب ضمانات حقيقية.

 

التهديدات الصهيونية.. بين استعادة المبادرة وتوسيع دائرة النار

 

التسريبات الصهيونية حول خطة عسكرية جديدة لشن هجوم واسع في مناطق لم تدخلها قوات الاحتلال سابقاً ليست مجرد تفاصيل عملياتية. إنها رسالة سياسية قبل أن تكون رسالة عسكرية. فالعدو الصهيوني يريد أن يقول إنه ما زال قادراً على فرض وقائع جديدة، وأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن أي حديث عن ترتيبات سياسية يجب أن يمر عبر بوابة القوة.

 

هذه الخطة تأتي في سياق أوسع من محاولات الحكومة الصهيونية، إعادة الإمساك بخيوط المبادرة بعد سلسلة من الانتقادات الداخلية والدولية. فنتنياهو يواجه ضغوطاً من المؤسسة الأمنية، ومن عائلات الأسرى، ومن المعارضة، ومن المجتمع الدولي. وفي مثل هذا السياق، يصبح التصعيد العسكري وسيلةً للهروب إلى الأمام.

 

لكن هذا التصعيد يحمل مخاطر كبيرة. فالهجوم على مناطق جديدة في غزة يعني موجة جديدة من الدمار والنزوح، ويعني أيضاً احتمال توسع المواجهة مع الفصائل الفلسطينية، وربما مع أطراف إقليمية. كما أنه يُهدد بنسف أي تقدم في الاتفاقات المتعلقة بإعادة الإعمار أو تبادل الأسرى أو إدارة القطاع.

 

وفي الوقت نفسه، تحاول المؤسسة الأمنية الصهيونية أن تظهر بمظهر الجاهزية، معلنةً أنها أنهت الاستعدادات لإعادة فتح معبر رفح، في خطوة تبدو متناقضة مع التهديد بالاجتياح. هذا التناقض يعكس صراعاً داخل المؤسسة الصهيونية نفسها بين من يرى ضرورة التهدئة ومن يدفع نحو التصعيد.

 

إن قراءة هذه التحركات تكشف أن العدو الصهيوني لا يتحرك وفق استراتيجية واضحة، بل وفق مزيج من الضغوط الداخلية والحسابات السياسية والرهانات العسكرية، ما يجعل المشهد أكثر قابلية للانفجار.

 

الضفة الغربية… ساحة أخرى للاشتعال

 

بينما ينشغل العالم بغزة، تستمر الضفة الغربية في دفع ثمن الاحتلال يومياً. عمليات القتل عند الحواجز، المداهمات الليلية، اعتداءات المستوطنين، كلها أصبحت جزءاً من المشهد اليومي. استشهاد شابين في بيت لحم والخليل خلال يومين متتاليين يعكس تصاعداً في العنف الصهيوني، في وقت تحاول فيه الحكومة الصهيونية إرسال رسائل قوة إلى جمهورها الداخلي.

 

هذه الاعتداءات ليست أحداثاً معزولة، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الضفة من أي قدرة على المقاومة، وإلى خلق بيئة من الخوف والضغط الدائم. وفي الوقت نفسه، تعكس هذه الاعتداءات هشاشة الوضع الأمني، واحتمال انفجار الضفة في أي لحظة، خاصةً إذا تزامن ذلك مع تصعيد في غزة.

 

إن الربط بين ما يجري في غزة وما يجري في الضفة ليس تحليلاً سياسياً فقط، بل حقيقة ميدانية. فكل تصعيد في غزة ينعكس توتراً في الضفة، وكل ضغط في الضفة ينعكس على حسابات فصائل المقاومة في غزة. وهذا الترابط يجعل من أي محاولة لفصل الساحتين محاولة غير واقعية.

 

 

معبر رفح… بوابة السياسة قبل أن يكون بوابة عبور

 

معبر رفح ليس مجرد نقطة جغرافية، بل عقدة سياسية. فهو بوابة غزة إلى العالم، العدو الصهيوني يستخدمه كورقة ضغط، والفلسطينيون يرونه شريان حياة.

 

إعادة فتح المعبر في الأيام القادمة قد تبدو خطوة إيجابية، لكنها في الحقيقة جزء من لعبة أكبر. فالعدو الصهيوني يريد أن يظهر بمظهر الطرف الذي يملك قرار الفتح والإغلاق، بينما تحاول الفصائل الفلسطينية أن تثبت أن المعبر يجب أن يكون تحت إدارة فلسطينية خالصة.

 

هذا الصراع على المعبر يعكس صراعاً أوسع على من يملك القرار في غزة. فالمعبر ليس مجرد ممر، بل رمز للسيادة. ومن يسيطر عليه يملك جزءاً من مستقبل القطاع.

 

ختاماً المشهد الفلسطيني اليوم ليس مجرد سلسلة أحداث متفرقة، بل لوحة واحدة تتداخل فيها خطوط السياسة والحرب والإنسان. غزة تنتظر فتح المعبر، لكن الانتظار ليس مجرد انتظار إداري، بل انتظار لمصير. العدو الصهيوني يهدد بالاجتياح، لكنه أيضاً يواجه ضغوطاً داخلية يجعل قراراته متقلبة. حركة حماس تناور سياسياً، لكنها تحاول الحفاظ على ثوابت المقاومة، الضفة الغربية تغلي تحت الاحتلال.

 

 

هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات يجعل من الصعب التنبؤ بما سيحدث في الأيام القادمة. لكن ما هو واضح أن غزة، مرة أخرى، تقف في قلب العاصفة، وأن مصيرها سيحدد جزءاً كبيراً من شكل المنطقة في المرحلة المقبلة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص