جواهر عَلَويَّة...

مَنْ ضَعُفَ جِدُّهُ قَوِيَ ضِدُّهُ

إذا كان ضَعفُ الجِدِّ يقوّي الضدَّ، ويولِّد الهوان، فإن الحزم والعزم والتصميم وقوة الإرادة جميع ذلك يولِّد القوة، والاحترام، والمهابة، فالعدو أول ما يلجأ إليه اختبار إرادتنا، فإن لمس فيها ضعفًا تجرًأ، وتمادى، وذهب بعيدًا في طغيانه وتجاوزه.

رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ ضَعُفَ جِدُّهُ قَوِيَ ضِدُّهُ”.

 

في زمن تزداد الظروف فيه تعقيدًا، ويتكاثر فيه الأعداء، وما يمتلكون من قدرات وإمكانيات، وتقدُّم معرفي وتقني، وسيطرة تكاد أن تكون شاملة على كل شيء، تأتي هذه المعادلة لتحذِّرنا من ضعف الإرادة، ومن التهاون والكسل، والخِفَّة في التعامل مع الأحداث، ولتقول لنا: إن قوة الأضداد والأعداء ليست متأتية دائمًا مِمّا يملكون من إمكانيات، بل تتأتّى أيضًا من إهمالنا، وضَعف إرادتنا، وعدم جِدِّيتنا في التعامل مع تهديدهم وقدراتهم، وغفلتنا عن نقاط قوتنا ونقاط ضَعفنا.

 

تُطلق كلمة (الجِدُّ) في اللغة العربية مقابل الهَزل، والتقاعس، والكسل، والتواكل، والتثاقل عن القيام إلى ما يجب، وتعني: الاجتهاد، وبذل الوُسع، والعزم القوي، والتصميم الصادق، والصَّرامة في الأمر، والإصرار، يُقالُ: جَدَّ في أمره، أي: أحكمَه وأخلص له عزيمته.

الضعف ليس هنا ناتجًا عن فقد القدرة، ولا عن قلة الموارد والثروات، بل من ضعف إرادتهما، ومن تسليمهما بالضَّعف، ومن ارتضائهما الهوان أمام الطغاة، ومن فقدان الثقة بالنفس، وفقدان الاعتماد على الله تعالى، وقوة العدو هنا متأتية من ذلك الهَوان لديهما، ومن الرِّضا بالخضوع والخنوع.

 

عندما يضعف عزم الإنسان، وتضعف إرادته، ويتثاقل عن أداء واجبه تجاه مصالحه ومكتسباته، ويخاف من كلفة المواجهة، وقد تكون الكلفة متوَهَّمة، أو أقل بكثير من كلفة الخُنوع والهوان، عند ذلك تتجرأ القوى المقابلة وتشتدّ في حربها، الضعف هنا إعلان صريح عن موت إرادة الشخص، وموت شخصيته المعنوية، ما فائدة أن يأكل الشخص ويشرب ويستمتع كما يستمتع الحيوان، ولا يملك حريته ولا أمره. الضعف هنا يتحوّل إلى إشارة خضراء تستدعي العدو والضِّدَّ كي يشتد ويتمدّد ويفرض إرادته وهيمنته.

 

وإذا كان ضَعفُ الجِدِّ يقوّي الضدَّ، ويولِّد الهوان، فإن الحزم والعزم والتصميم وقوة الإرادة جميع ذلك يولِّد القوة، والاحترام، والمهابة، فالعدو أول ما يلجأ إليه اختبار إرادتنا، فإن لمس فيها ضعفًا تجرًأ، وتمادى، وذهب بعيدًا في طغيانه وتجاوزه.

 

لذلك ينبغي على الفرد والجماعة والأمة أن يبدؤوا من أنفسهم، فقوتهم الحقيقية من هناك تبدأ، وهذا ما أكَّد عليه القرآن الكريم بقوله: *إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴿الرعد:11﴾.

 

السيد بلال وهبي

باحث لبناني في الشؤون الدينية 

 

 

المصدر: الوفاق/ وكالات