تعود الولايات المتحدة مجدداً إلى حافة الإغلاق الحكومي، في مشهد بات يتكرر بوتيرة لافتة في العقد الأخير، ليكشف عن هشاشة سياسية تتجاوز الخلافات الحزبية التقليدية. فالإغلاق الحكومي لم يعُد مجرد تعثّر إداري أو فشل في تمرير قوانين التمويل، بل أصبح مرآة لأزمة أعمق تضرب بُنية النظام السياسي الأميركي، وتكشف عن انقسام حاد بين مؤسسات الحكم، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي مؤشرات ضعف متزايدة. ومع اقتراب الموعد المحدد لتمرير حزمة الاعتمادات، يجد الأميركيون أنفسهم أمام احتمال تعطّل مؤسسات الدولة مجدداً، بينما تتصاعد المخاوف من تأثيرات اقتصادية واجتماعية قد تكون أوسع من أي وقتٍ مضى.
في هذا السياق، يبرز دور دونالد ترامب الذي يحاول إدارة الأزمة عبر خطاب سياسي تصعيدي، يُحمّل فيه خصومه مسؤولية التعطيل، ويستخدم لغة دعائية تستهدف تعبئة قاعدته الشعبية. لكن خلف هذا الخطاب، تتراكم أزمات اقتصادية حقيقية، من ارتفاع معدلات الإفلاس إلى تراجع الإنتاجية، ما يجعل الإغلاق الحكومي ليس مجرد خلاف سياسي، بل جزءاً من مشهد أوسع يعكس اختلالات بنيوية في الاقتصاد والسياسة معاً.
الإغلاق الحكومي.. آلية دستورية تحوّلت إلى سلاح سياسي
الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة هو نتيجة مباشرة لفشل الكونغرس في تمرير قوانين الاعتمادات المالية السنوية أو الاتفاق على تمويل مؤقت. وعندما يحدث ذلك، تتوقف الوكالات الفدرالية غير الحيوية عن العمل، ويتوقف صرف رواتب الموظفين، وتتأثر الخدمات العامة. ورغم أن هذه الآلية صُمّمت لضمان الرقابة التشريعية على الإنفاق، إلا أنها تحوّلت في العقود الأخيرة إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم في المعارك الحزبية.
في الأزمة الحالية، يتمحور الخلاف حول تمويل وزارة الأمن الداخلي، التي تشرف على سياسات الهجرة وحماية الحدود. حادثة مقتل ممرضة وعدد من المتظاهرين على يد عناصر من حرس الحدود فجّرت موجة غضب واسعة، دفعت الديمقراطيين إلى رفض تمرير التمويل دون مراجعة سياسات الوزارة. في المقابل، يرى الجمهوريون أن فصل تمويل الوزارة عن الحزمة الكبرى سيضعف موقفهم التفاوضي، ويمنح خصومهم فرصةً لفرض شروطهم. وهكذا تحوّل بند واحد إلى أزمة شاملة تهدد بوقف عمل الحكومة.
هذا النوع من الأزمات يعكس عمق الانقسام السياسي في الولايات المتحدة، إذ لم يعُد التفاوض يقوم على البحث عن حلول وسط، بل على محاولة كل طرف فرض رؤيته عبر تعطيل عمل المؤسسات. ومع تكرار الإغلاق الحكومي، تتراجع ثقة المواطنين في قدرة النظام السياسي على إدارة شؤون الدولة، ويزداد الشعور بأن الخلافات الحزبية باتت أهم من المصلحة العامة.
الإغلاق السابق.. آثار لا تزال حاضرة
الإغلاق الحكومي ليس حدثاً جديداً، لكن أطول إغلاق في تاريخ الولايات المتحدة وقع في عهد ترامب الأول، واستمر 43 يوماً. هذا الإغلاق ترك آثاراً عميقة على الاقتصاد والمجتمع، من تعطّل المطارات إلى توقف برامج الدعم الغذائي، وتأخر رواتب ملايين الموظفين. ورغم مرور سنوات على تلك الأزمة، إلاّ أن ذكراها لا تزال حاضرةً في الوعي العام، ما يجعل أي تهديد بإغلاق جديد مصدراً للقلق.
الأسواق المالية تتفاعل سريعاً مع هذه التهديدات، إذ يكره المستثمرون حالة عدم اليقين. وكلما اقترب موعد الإغلاق، ترتفع التقلبات في الأسواق، وتتراجع الاستثمارات، وتزداد المخاوف من تأثيرات طويلة الأمد على النمو الاقتصادي. وفي ظل المؤشرات الاقتصادية الحالية، يبدو أن أي إغلاق جديد قد تكون له آثار أعمق مما كان عليه في السابق.
الاقتصاد الأميركي.. مؤشرات ضعف لا يمكن تجاهلها
تزامن الأزمة السياسية مع أزمة اقتصادية حقيقية يزيد من خطورة الوضع. ففي عام 2025، أعلنت أكثر من 700 شركة أميركية إفلاسها، وهو أعلى مستوى منذ عام 2010. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات ظرفية، بل تعكس ضعفاً هيكلياً في الاقتصاد الأميركي، خصوصاً أن الإفلاسات لم تعد مقتصرة على قطاع التجزئة، بل امتدت إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية.
التحول في طبيعة القطاعات المتضررة يشير إلى أن المشكلة ليست في سوء إدارة شركات معينة، بل في ضغوط اقتصادية واسعة تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة التنافسية، وارتفاع أسعار الفائدة التي خنقت الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما أن التضخم المستمر، رغم محاولات السيطرة عليه، زاد من الأعباء على المستهلكين والشركات على حد سواء.
إلى جانب ذلك، أدت السياسات الجمركية المكثفة التي اتخذتها الإدارة لحماية الصناعة الأميركية إلى زيادة تكاليف الاستيراد، ما أثّر سلباً على الشركات التي تعتمد على المواد الخام المستوردة. ورغم أن هذه السياسات تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، إلاّ أنها تسببت في ضغوط إضافية على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك القدرة على امتصاص الزيادات في التكاليف.
ترامب والدعاية السياسية.. إدارة الأزمة عبر الخطاب
في مواجهة هذه الأزمات، يعتمد ترامب على خطاب سياسي يقوم على التصعيد والدعاية. فهو يُحمّل الديمقراطيين مسؤولية تعطيل تمويل وزارة الأمن الداخلي، ويصوّر الأزمة كمعركة لحماية الحدود والأمن القومي. هذا الخطاب يهدف إلى تعبئة القاعدة الشعبية، وإظهار نفسه كزعيم قوي يواجه «النخب السياسية» و«المؤسسة».
لكن هذا الأسلوب لا يعالج جوهر الأزمة. فالمشكلة ليست فقط في تمويل وزارة معينة، بل في غياب القدرة على التوافق السياسي، وفي تراكم الأزمات الاقتصادية التي تحتاج إلى حلول بنيوية لا إلى شعارات انتخابية. ومع ذلك، يبقى الخطاب الدعائي أداة فعّالة في السياسة الأميركية، خصوصاً في ظل الاستقطاب الإعلامي الذي يجعل كل طرف يرى الأزمة من زاوية مختلفة تماماً.
المجتمع الأميركي بين القلق وفقدان الثقة
الإغلاق الحكومي لا ينعكس فقط على الاقتصاد الكلي، بل يطال حياة المواطنين اليومية. الموظفون الفدراليون يواجهون خطر فقدان رواتبهم، الأسر الفقيرة تخشى توقف برامج الدعم الغذائي، والمسافرون يعانون من تعطيل المطارات. هذه التداعيات تخلق حالة من القلق الاجتماعي، وتضعف ثقة المواطن في قدرة الدولة على إدارة شؤونها.
الأخطر أن هذه الأزمات المتكررة تغذي شعوراً باللاجدوى، وتدفع بعض المواطنين إلى التشكيك في جدوى النظام السياسي برمته. ومع تزايد الاستقطاب الثقافي والسياسي، يصبح من الصعب بناء توافق وطني حول السياسات العامة، ما يجعل كل أزمة جديدة أكثر تعقيداً من سابقتها.
اهتزاز صورة الولايات المتحدة في الخارج
الإغلاق الحكومي لا يبقى شأناً داخلياً، بل يؤثر على صورة الولايات المتحدة في الخارج. فحين يرى العالم أن أكبر قوة اقتصادية عاجزة عن تمرير قوانين تمويل أساسية، تتراجع الثقة في قدرتها. هذا ينعكس على علاقاتها مع الحلفاء، ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات العالمية مثل التغير المناخي أو الأزمات الأمنية.
كما أن تكرار الإغلاق يعطي انطباعاً بأن النظام السياسي الأميركي يعاني من خلل بنيوي، وأن الانقسام الداخلي قد يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على لعب دورها التقليدي في السياسة الدولية.
ختاماً الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة لم يعُد مجرد خلاف حول قوانين اعتماد مؤقتة، بل أصبح مؤشراً على أزمة بنيوية تضرب النظام السياسي والاقتصادي معاً. وبينما يبقى التمويل الحكومي رهيناً بحسابات حزبية ضيقة، تتراكم الأرقام الاقتصادية التي تشير إلى ضعف في الديناميكية الاقتصادية، وتراجع في قدرة الشركات على الصمود. وفي ظل خطاب دعائي يُركّز على تحميل المسؤولية للخصوم، يجد المواطن الأميركي نفسه في قلب أزمة لا يملك السيطرة عليها، بينما تتراجع ثقته في المؤسسات، وتزداد مخاوفه من المستقبل.