قراءة في مسار إيران الفضائي؛ من قمرٍ تجريبي إلى منظومات مدارية متقدمة

«أميد» يرسم ملامح الفضاء الإيراني

خاص الوفاق: قبل 17 عاماً، غيّرت إيران، بإطلاقها القمر الصناعي المحلي “أميد” والصاروخ الحامل “سفير”، معادلات الفضاء والسياسة في العالم.

 كبرى أميري

 

 

يُسجَّل الرابع عشر من شهر بهمن في التقويم الرسمي الإيراني (3 فبراير) بوصفه “اليوم الوطني لتقنية الفضاء”؛ وهو يوم يُذكّر بقفزة تاريخية في مسار العلم والصناعة في البلاد. ولم يكن اختيار هذا التاريخ اعتباطياً؛ ففي مساء 14 بهمن 1387 (الموافق 2 فبراير/ شباط 2009)، اخترق صمت الصحراء الإيرانية دويّ صاروخ “سفير‑2”، لتُعلن إيران رسمياً أنها وضعت أول قمر صناعي مصنوع محلياً في مدار الأرض، باستخدام صاروخ إطلاق محلي.

 

وقبل الدخول في تفاصيل هذا الحدث، لابدّ من توضيح تمييزٍ مهم؛ فعلى الرغم من أن إيران كانت قد امتلكت قمراً صناعياً قبل هذا التاريخ، وتحديداً في عام 2005، إلا أن القمر الصناعي “سينا‑1” كان قد صُنِع بمشاركة أجنبية، وأُطلق إلى الفضاء بواسطة الصاروخ الروسي “كوزموس‑3” من قاعدة بليستسك.

تكمن الأهمية الاستراتيجية للقمر الصناعي “أميد” في أنه وللمرة الأولى، كان “القمر الصناعي” و“محطة التحكم الأرضية”، والأهم من ذلك، “الصاروخ الحامل”، جميعها نتاج المعرفة المحلية للخبراء الإيرانيين. وكانت هذه هي النقطة المفصلية التي ثبّتت مكانة إيران بوصفها تاسع دولة في العالم تمتلك دورة متكاملة لتكنولوجيا الفضاء.

 

 

المواصفات الفنية والمهمة؛ هندسة دقيقة في قلب العقوبات

 

أُطلِق القمر الصناعي “أميد” إلى الفضاء تزامناً مع الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلامية، وكان قمراً صناعياً بحثياً واتصالياً خفيف الوزن. وقد صُمّم هذا الهيكل المكعب بأبعاد دقيقة تبلغ 40 × 40 × 40 سنتيمتراً، وبوزن قدره 27 كيلوغراماً.

 

أمّا المهمة الرئيسية لـ“أميد”، فتمثلت في إثبات التكنولوجيا في المدار (In-orbit Technology Demonstration)؛ أي اختبار قدرة إيران على تصميم وبناء منظومة قادرة على الصمود في بيئة الفضاء القاسية، والحفاظ على الاتصال مع الأرض بكفاءة.

 

 المدار ونظام الاتصالات

 

حُقِن القمر الصناعي “أميد” في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، حيث تراوح الحضيض والأوج لديه بين نحو 250 و375 كيلومتراً. وأظهرت حسابات ديناميكيات المدار أن “أُميد” كان يدور حول الكرة الأرضية 15 مرة كل 24 ساعة.

 

وكانت المحطات الأرضية الإيرانية تراقب حالته بدقة عالية، وتقوم في كل دورة مدارية بالتحكم في وضعه واستقبال بيانات القياس عن بُعد (Telemetry) مرّتين.

 

أمّا النظام الاتصالي للقمر الصناعي “أُميد”، فكان من نوع «التخزين والإرسال» (Store and Forward)؛ إذ يستقبل البيانات من نقطة معينة على سطح الأرض، ويخزنها في ذاكرته، ثم يعيد إرسالها إلى محطة الاستقبال في نقطة أخرى. وإلى جانب ذلك، كان “أُميد” مجهزاً بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لتتبع مساره بدقة.

 

 العمر التشغيلي؛ دقة هندسية في حسابات المدار

 

شكّل العمر التشغيلي لهذا القمر الصناعي أحد أبرز الجوانب المضيئة في هندسته. فوفق الحسابات الأولية التي أُجريت قبل الإطلاق، قُدِّر عمره المداري بنحو ثلاثة أشهر (قرابة 82 يوماً). إلا أن التقارير النهائية أظهرت أن حسابات العلماء الإيرانيين كانت مدهشة في دقتها؛ إذ إن القمر الصناعي “أُميد”، وبعد إنجازه جميع مهامه بنجاح، احترق تماماً ضمن الإطار الزمني المتوقع، وذلك في 25 أبريل 2009، إثر دخوله الطبقات الكثيفة من الغلاف الجوي فوق منطقة تقع فوق المحيط الهادئ وغرب أميركا الجنوبية، منهياً بذلك مهمته.

 

وقد عكست هذه الدقة في التنبؤ بزمان ومكان العودة إلى الغلاف الجوي (Re-entry) مستوى التمكن الإيراني من ميكانيكا المدار.

 

 صدمة عالمية و«سبوتنيك إيراني»

أحدث إطلاق القمر الصناعي “أُميد” موجةً من الذهول وردود الفعل الواسعة في وسائل الإعلام والأوساط السياسية العالمية. ولم يُنظر إلى هذا الحدث بوصفه خبراً علمياً فحسب، بل جرى التعامل معه على أنه رسالة جيوسياسية واضحة.

 

فقد قامت شبكة المراقبة الفضائية الأميركية (الخاضعة لإشراف ناسا والبنتاغون) مباشرةً بعد الإطلاق، بتسجيل وتأكيد وجود جسمين جديدين في مدار الأرض بالرمزين الدوليين 33506 (القمر الصناعي أُميد) و33507 (هيكل صاروخ سفير)، بما أكد أن الادعاء الإيراني كان حقيقياً بالكامل.

 

وتناولت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الغربية، مثل شبكة CNN وهيئة الإذاعة البريطانية BBC، هذا التطور في تقاريرها بمزيج من الدهشة والقلق.

 

وكتبت صحيفة “نيويورك تايمز” أن هذا الإطلاق يُعدّ «انتصاراً رمزياً» لإيران، ويعكس قفزة هندسية كبيرة حققتها البلاد في ظل خضوعها لأشدّ العقوبات الدولية. غير أن أكثر ردود الفعل لفتاً للانتباه جاء من وكالة رويترز، التي نقلت عن خبراء صهاينة وصفاً أصبح لاحقاً تعبيراً متداولاً، وهو: «سبوتنيك إيراني».

 

أمّا شبكة CNN الإخبارية، التي كانت تنظر في السابق إلى الإنجازات العلمية الإيرانية بعين الشك، فقد ظهرت في 2 فبراير 2009 بنبرة مختلفة ممزوجة بالدهشة، إذ أعلنت الشبكة في خبر عاجل أن البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) قد أكد رسمياً الإطلاق الناجح للقمر الصناعي أُميد من قبل إيران.

 

وسعت هذه الشبكة الأميركية، التي كانت تحاول إدارة الصدمة الناجمة عن هذا الخبر، إلى تغيير نهجها بشكلٍ واضح نحو بث المخاوف فور تأكيد الخبر العلمي، إذ أعلنت أن الولايات المتحدة والدول الغربية عبّرت عن قلق عميق، معتبرة أن التكنولوجيا المستخدمة في إطلاق القمر الصناعي أُميد تُعدّ تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج (Dual‑use)، ويمكن توظيفها أيضاً في حمل الرؤوس الحربية.

 

كما أشارت شبكة CNN إلى تزامن هذا الإطلاق مع «الذكرى الثلاثين لانتصار الثورة الإسلامية»، واضطرت إلى نقل الرسالة الرسمية لطهران، حيث نقلت عن الرئيس الإيراني آنذاك إن “الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثبّتت رسمياً حضورها في الفضاء”.

 

هذا التذبذب الإعلامي في تغطية CNN، بين «تأكيد البنتاغون للإنجاز الهندسي الإيراني» و«محاولة إضفاء طابع أمني عليه»، قدّم صورة واضحة عن حالة ارتباك إعلامي في مواجهة الطفرة التكنولوجية الإيرانية.

 

من جانبه، قال تال إينبار، الرئيس السابق لمركز الأبحاث الفضائية في معهد فيشر الإسرائيلي: إن «علينا أن نُطلق على هذا القمر الصناعي اسم سبوتنيك الإيراني»، في إشارة مباشرة إلى الحدث التاريخي لعام 1957، حين أدّى إطلاق أول قمر صناعي في العالم “سبوتنيك‑1” من قبل الاتحاد السوفياتي إلى إدخال الغرب والولايات المتحدة في حالة من الذهول، وكان إيذاناً ببداية عصر الفضاء.

 

إن استخدام تعبير «سبوتنيك إيراني» لم يكن سوى اعترافٍ ضمني بحقيقة مفادها أن إيران، رغم كل القيود والضغوط، قد بلغت مستوى من الردع والمعرفة كان غير متخيّل بالنسبة لخصومها. كما جاءت ردود الفعل السياسية حادّةً للغاية؛ إذ أعرب روبرت غيبس، المتحدث باسم البيت الأبيض آنذاك، وهيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك الوقت، عن قلق شديد، مشيرين إلى الطبيعة المزدوجة (Dual‑use) لهذه التكنولوجيا.

 

واعتبر المسؤولون الأميركيون أن الصاروخ القادر على وضع قمر صناعي في الفضاء يمتلك أيضاً القدرة على حمل رؤوس حربية.

 

وقالت هيلاري كلينتون بنبرةٍ تهكّمية: «نحن نمدّ يد الصداقة؛ لكن القبضة المشدودة يجب أن تُفتح»؛ وهي عبارة عكست بوضوح كيف أن إطلاق قمر «أُميد» أعاد تشكيل المعادلات الدبلوماسية.

 

من جهته، صرّح إسحاق بن إسرائيل، أحد المسؤولين في المنظومة الفضائية التابعة للكيان الصهيوني، بصراحة قائلاً: «إذا كانوا قد تمكنوا من إطلاق قمر صناعي، فهذا يعني أنهم قادرون أيضاً على استهداف أوروبا الغربية».

 

من جانبه، قال إسحاق بن إسرائيل، أحد المسؤولين في القطاع الفضائي التابع للكيان الصهيوني، بصراحة: «إذا كانوا قد تمكنوا من إطلاق قمر صناعي، فهذا يعني أنهم قادرون أيضاً على استهداف أوروبا الغربية».

 

سرد تطوّر البرنامج الفضائي الإيراني: من «أميد» إلى «ظفر» و«بايا»

 

اليوم، ونحن نقف عند عام 2026، يكشف لنا الرجوع إلى الوراء أن القمر الصناعي «أميد» بوزن 27 كيلوغراماً لم يكن سوى بداية؛ شرارة أشعلت محرّك صناعة الفضاء الإيرانية. وخلال هذه السبعة عشر عاماً، انتقلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من مرحلة «إثبات التكنولوجيا» إلى مرحلة «الترسيخ والتطبيق»، مثبتةً قدرتها على تحويل الإنجاز العلمي إلى مسار مستدام للتقدّم والتوظيف العملي.

 

بعد «أُميد»، أُطلقت بنجاح أقمار صناعية عديدة من بينها «رصد» و«نويد» و«فجر»، وفي السنوات الأخيرة «خيّام» و«نور» و«ثُرَيّا» و«جمران‑1»، إلى جانب عشرات الأقمار الصناعية الأخرى.

 

وإذا كان الناقل الخفيف «سفير» في مرحلةٍ ما يمثّل سقف القدرات الإيرانية، فإن نواقل مركّبة وقوية تعمل بالوقود الصلب مثل «قائم‑100» و«سيمرغ» و«ذوالجناح» قد طُوِّرت اليوم، وتمتلك القدرة على إدخال الأقمار الصناعية في مدارات أعلى، تصل إلى 750 كيلومتراً وأكثر.

 

اليوم، لا تكتفي إيران بتوطين معرفة تصنيع الأقمار الصناعية وناقلات الإطلاق، بل تعمل أيضاً على تطوير منظومات أقمار صناعية «مثل مشروع الشهيد سليماني»، وكبسولات حيوية لإرسال كائنات حية، وقواعد إطلاق جديدة (مثل قاعدة تشابهار).

 

المسار الذي بدأ مع «أُميد» تحوّل اليوم إلى شجرة وارفة، تُجسّد ثمارها الاكتفاء الذاتي الفضائي وضمان الأمن والتقدّم العلمي للأجيال القادمة في إيران.

 

 

المصدر: الوفاق-خاص

الاخبار ذات الصلة