يمرّ العراق بمرحلة مفصلية تتطلّب وضوحًا في الرؤية السياسية وقدرة على اتخاذ قرارات تعكس إرادة الدولة ومصالح شعبها. وفي هذا السياق، برز موقف الإطار التنسيقي الذي أعلن تمسّكه بترشيح نوري كامل المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، مؤكدًا أن القرار العراقي يجب أن يبقى نابعًا من مؤسساته الدستورية ومن ممثلي شعبه. هذا الإعلان لم يكن مجرد خطوة تنظيمية داخل تحالف سياسي، بل جاء ليؤكد أن العراق يسعى إلى ترسيخ استقلالية قراره الوطني، وتعزيز دوره كدولة ذات سيادة قادرة على إدارة استحقاقاتها بعيدًا عن أي ضغوط خارجية. ومع تصاعد النقاش حول شكل الحكومة المقبلة، يبرز هذا الموقف بوصفه محاولة لإعادة التأكيد على أن مستقبل العراق يُصنع داخل حدوده، وفق مصالحه الوطنية العليا.
الإطار التنسيقي وخلفيات التمسّك بترشيح المالكي
يُعد الإطار التنسيقي أبرز التحالفات السياسية في العراق، ويضم مجموعة من القوى التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003. وقد جاء ترشيح نوري المالكي بعد نقاشات داخلية مطوّلة، انتهت إلى اعتباره المرشح الأكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة، استنادًا إلى خبرته السياسية والإدارية، وإلى دوره السابق في قيادة الدولة في فترات صعبة.
ويبدو أن الإطار التنسيقي يرى في المالكي شخصية قادرة على التعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تواجه العراق، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية. كما أن الإطار يسعى عبر هذا الترشيح إلى تثبيت معادلة سياسية يعتبرها أكثر انسجامًا مع رؤيته لمستقبل البلاد، وإلى إرسال رسالة مفادها أن قراراته تُتخذ داخل العراق، وليس تحت تأثير أي طرف خارجي.
اجتماع الإطار التنسيقي رقم 261.. دلالات المكان والتوقيت
جاء إعلان الإطار التنسيقي عقب الاجتماع الدوري رقم 261 الذي عُقد في مكتب المالكي، وهو تفصيل لا يخلو من الدلالات. فاختيار مكتب المرشح نفسه مكانًا للاجتماع يعكس مستوى الثقة التي يمنحها الإطار للمالكي، كما يعكس رغبة في إظهار وحدة الموقف الداخلي. وقد ناقش الاجتماع آخر التطورات السياسية، ولا سيّما التصعيد الأميركي الكلامي تجاه مسار تشكيل الحكومة.
إن التأكيد في بيان الإطار على أن اختيار رئيس الوزراء هو «استحقاق دستوري عراقي خالص» يعكس رغبة واضحة في إعادة رسم حدود العلاقة بين بغداد وواشنطن، وفي الوقت نفسه يعكس محاولة لتأكيد شرعية قراراته أمام الرأي العام العراقي. كما أن الاجتماع جاء في توقيت حساس يسبق جلسة جديدة لمجلس النواب مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، وهي خطوة أساسية تسبق تكليف رئيس الوزراء.
التصعيد الأميركي.. قراءة في موقف ترامب
أثار تصريح دونالد ترامب، الذي وصف عودة المالكي بأنها «خطأ فادح»، موجة من الجدل داخل العراق. فقد لوّح ترامب بوقف المساعدات الأميركية للعراق في حال انتخاب المالكي، واتهم سياساته بـ«التطرف». هذا التصريح لم يكن مجرد موقف عابر، بل يعكس رؤية أميركية أوسع تجاه مستقبل العراق، وتجاه الشخصيات التي ترى واشنطن أنها قد لا تنسجم مع مصالحها أو مع رؤيتها للاستقرار الإقليمي.
إنّ الموقف الأميركي يعكس رغبة في التأثير على مسار تشكيل الحكومة العراقية، لكن رد الإطار التنسيقي جاء واضحًا، إذ أكد أن العراق دولة مؤسسات قادرة على إدارة استحقاقاتها السياسية وفق الدستور، وأن علاقاته الدولية يجب أن تُبنى على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
البُعد الدستوري والمهل الزمنية في تشكيل الحكومة
يشدد الإطار التنسيقي على ضرورة الالتزام بالتوقيتات الدستورية واحترام المهل المحددة لتشكيل الحكومة. ويأتي هذا التشديد في مرحلة دقيقة تسبق انتخاب رئيس الجمهورية، وهي خطوة أساسية تفتح الباب أمام تكليف رئيس الوزراء. إنّ الالتزام بالمهل الدستورية ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو رسالة سياسية تهدف إلى التأكيد على أن العملية السياسية تسير وفق الأطر الدستورية، وأن أي تأخير قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة.
كما أن هذا الالتزام يعكس رغبة الإطار في إظهار نفسه كقوة سياسية مسؤولة تسعى إلى الحفاظ على استقرار الدولة، وفي الوقت نفسه يعكس إدراكًا لأهمية احترام الآليات الدستورية في ظل التوترات السياسية التي تشهدها البلاد.
العلاقات العراقية – الأميركية.. بين التوتر ومحاولات إعادة التوازن
تُعد العلاقة بين بغداد وواشنطن من أكثر العلاقات حساسية في المنطقة، نظرًا لتاريخها الطويل وتشابك مصالح الطرفين. وقد شهدت هذه العلاقة مراحل من التعاون والتوتر، تبعًا للظروف السياسية والأمنية. إن تهديد ترامب بوقف المساعدات للعراق في حال انتخاب المالكي يعكس مستوى التوتر الذي قد تصل إليه العلاقة بين البلدين.
في المقابل، فإن الإطار التنسيقي يؤكد حرصه على بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل. وهذا التوازن يعكس إدراكًا لأهمية العلاقات الدولية، وفي الوقت نفسه يعكس رغبة في الحفاظ على استقلالية القرار السياسي العراقي.
البُعد الإقليمي ودور القوى الدولية الفاعلة
لا يمكن قراءة الموقف العراقي بمعزل عن السياق الإقليمي. فالعراق يقع في قلب منطقة تشهد تنافسًا بين قوى إقليمية ودولية، وكل طرف يسعى إلى تعزيز نفوذه داخل البلاد.
إن تأكيد الإطار على بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية الفاعلة يعكس رغبة في تجنب الانحياز لأي محور إقليمي، وفي الوقت نفسه يعكس إدراكًا لأهمية الحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الأطراف. وهذا التوازن قد يكون أحد التحديات الكبرى التي ستواجه الحكومة المقبلة.
ختاماً إن تمسّك الإطار التنسيقي بترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء يعكس رغبة واضحة في حماية القرار الوطني العراقي، وفي تعزيز قدرة الدولة على اختيار مسارها السياسي وفق ما تقتضيه مصلحة شعبها. وبين الضغوط الخارجية والمواقف الداخلية، يبقى العراق أمام فرصة لإعادة تثبيت قواعد العمل السياسي على أسس دستورية واضحة، تضمن احترام السيادة وتمنح العملية السياسية استقرارًا أكبر. ومع اقتراب المواعيد الدستورية الحاسمة، تبدو الساحة العراقية مقبلة على مرحلة تتطلب حكمة في إدارة الحوار، وحرصًا على بناء توافقات تحفظ وحدة البلاد وتدعم مؤسساتها. وفي النهاية، يبقى الأمل معقودًا على أن تُترجم هذه المواقف إلى خطوات عملية تُسهم في تعزيز استقرار العراق ودوره الإقليمي، وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر رسوخًا في بناء الدولة.