من الردع إلى السيادة الوجودية

كيف أعاد الإمام الخامنئي تعريف الحرب والفتنة والهيمنة في معادلة واحدة؟

خاص الوفاق: لم يأتِ خطاب الإمام القائد علي الخامنئي في الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية بوصفه ردًّا سياسيًا ظرفيًا على تهديدات أمريكية متكررة، بل كوثيقة مركّبة تعيد صياغة معنى الحرب، وحدود الردع، وطبيعة الصراع، وموقع إيران في النظام الدولي. خطاب قائد الثورة الإسلامية يمثل وثيقة سياسية-فلسفية تتجاوز الردّ العسكري المباشر إلى تأصيل مفهوم "السيادة الوجودية" ومواجهة "الهيمنة الكونية". حين يقول الإمام الخامنئي: "فليعلم الأمريكيّون أنهم إذا أشعلوا حربًا هذه المرّة، فستكون حربًا إقليميّة"، فهو لا يطلق تهديدًا، بل يصف واقعًا استراتيجيًا تشكّل عبر سنوات من التحولات، مفاده أن زمن الحروب المحدودة والضربات المعزولة قد انتهى، وأن أي عدوان على إيران لم يعد شأناً ثنائياً، بل شرارة لاهتزاز الإقليم بأكمله.

د.أكرم شمص

 

 

الهيمنة مقابل الوجود

 

 

حين يشرح الإمام الخامنئي سبب العداء الأمريكي بقوله إن أمريكا تريد “ابتلاع إيران”.

 

 

– التحليل: “الابتلاع” هنا ليس مصطلحاً سياسياً فحسب، بل هو مصطلح فلسفي يشير إلى محو الآخر واستيعابه داخل “الأنا” المهيمنة. إنها محاولة لتحويل إيران من “ذات” فاعلة ومستقلة إلى “موضوع” أو مورد (نفط، غاز، موقع) تابع للمركزية الغربية.

 

 

– الردّ الوجودي: تأتي جملة “خسئتِ” لتمثل فعل “الامتناع الوجودي”. إنها لحظة تقرير المصير التي ترفض الذوبان في الآخر، وتؤكد على استقلالية الهوية الثقافية والسياسية.

 

 

– رفض الذوبان في المشروع الغربي، ورفض التحول إلى هامش في تاريخ الآخرين. فالصراع إذن ليس على برنامج نووي ولا على سلوكيات جزئية، بل على سؤال جوهري: هل تكون إيران ذاتًا مستقلة أم موضوعًا تابعًا؟

 

 

 نقد “الخطاب الزائف” (حقوق الإنسان مقابل الجشع المادي)

 

 

يمارس خطاب الإمام الخامنئي عملية “تفكيك” (Deconstruction) للذرائع الأمريكية. فعندما يصف الحديث عن حقوق الإنسان بأنه “حديث فارغ”، فهو يكشف عن التناقض بين الظاهر القيمي والباطن المادي (النفط والمعادن).

 

 

– في الفلسفة السياسية، هذا يسمى نقد “الأيديولوجيا”؛ حيث تُستخدم القيم الإنسانية كقناع لمصالح استعمارية. الخطاب يعيد الصراع إلى جذره الحقيقي: صراع على الموارد والسيادة، لا على المبادئ الأخلاقية المدعاة.

 

 

 الحرب الهجينة: المعركة قبل المعركة

 

 

يكشف الإمام الخامنئي أن التهديد بالطائرات والبوارج ليس جديدًا، وأن الشعب الإيراني لا يُرهب بهذه اللغة؛ لكن الأخطر في خطابه هو توصيفه للأحداث الأخيرة بوصفها شبه انقلاب صُمّم بأدوات غير عسكرية.

 

 

هنا تتضح صورة الحرب الهجينة: تحريض إعلامي واسع واختراق شبكات التواصل وتوظيف أزمات معيشية حقيقية إلى جانب إدخال عناصر مدرّبة على التخريب وصناعة قتلى لتأجيج الغضب والهدف: تفجير الداخل قبل التفكير بضرب الخارج. بهذا المعنى، تصبح الفتنة أخطر من القصف، لأنها تحاول تحويل المجتمع إلى عدوّ لنفسه.

 

 

 الفتنة كأداة لضرب الوعي

 

 

في هذا الخطاب، لا تُقرأ الفتنة كاضطراب أمني فقط، بل كعملية اختراق للوعي الجمعي. إنها محاولة لضرب الإجماع الوطني، وكسر الثقة بين الشعب والدولة، وتحويل المطالب المحقة إلى منصة صدام، حيث يحلل الخطاب الأحداث الأخيرة (أواخر 2025) ليس كاحتجاجات عفوية، بل كـ”فتنة مركبة” تجمع بين:

 

 

– الدروع البشرية: التخفي خلف المطالب المحقة (التجار).

 

 

– العنف الداعشي: (حرق الناس أحياء) كأداة لكسر الروح المعنوية.

 

 

– فلسفياً، يرى الخطاب أن “الفتنة” هي محاولة لضرب “الإجماع الوطني” وتحويل المجتمع إلى ذوات متصارعة، مما يسهل عملية “الابتلاع” الخارجي.

 

 

– سياسيًا، هذا يعني أن المعركة الأساسية لم تعد فقط على الحدود، بل داخل العقول.

 

 

 الشعب بوصفه مركز القوّة

 

 

من أهم ركائز الخطاب تأكيد الإمام الخامنئي أن الشعب الإيراني هو الركيزة الأساسية في المواجهة.

 

 

الشعب هنا ليس مجرد جمهور مؤيد، بل فاعل استراتيجي: لا يُرهب بالتهديد ولا ينكسر بالحصار، بل يمتلك وعيًا بطبيعة الصراع وهذا ما يفسّر فشل محاولات إسقاط إيران من الداخل رغم الضغوط الهائلة.

 

 

 سيكولوجيا الأمل و”نحن قادرون

 

 

حين يستحضر الإمام تجربة الإمام الخميني وتحويل عقلية “لا نستطيع” إلى “نحن قادرون”، فهو يحدد الأساس النفسي لكل ما تحقق لاحقًا. وهذه ليست جملة معنوية، بل قاعدة سياسية: الدولة التي تؤمن بقدرتها تنتج القوة، والدولة التي تشك بقدرتها تستهلك ما ينتجه الآخرون. ولهذا تصبح الاستقلالية التكنولوجية والعسكرية ثمرة طبيعية لبنية وعي جديدة.

 

 

 خاتمة

 

 

يجمع خطاب الإمام الخامنئي بين السياسة والفلسفة والاستراتيجية في معادلة واحدة: لا نبدأ الحرب ولا نقبل بالهيمنة ولا إمكانية لحرب محدودة. إنه خطاب يقول لواشنطن: لسنا دعاة حرب؛ لكنكم لن تفرضوها بشروطكم. ويقول للمنطقة: زمن الكيانات المعزولة انتهى، وزمن المعادلات الإقليمية بدأ.

 

 

إن خطاب الأول من فبراير 2026 هو إعلان عن نهاية عصر “الحروب المحدودة”. إنه يضع الغرب أمام حقيقة فلسفية صلبة: أن الاعتداء على “السيادة الإيرانية” هو اعتداء على “الاستقرار الإقليمي” بالضرورة.

 

 

الخطاب لا يهدد بالحرب، بل يهدد بـ”توسيع رقعة الوعي بالخطر”، مؤكداً أن الاستقامة والثبات هما السبيل الوحيد لإدخال “اليأس” إلى قلب العدو، وهو هدف فلسفي يعني الوصول إلى مرحلة “الردع المستدام”.

 

 

بهذا المعنى، فإن خطاب الأول من فبراير 2026 ليس مجرد تحذير، بل إعلان دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة، عنوانها: الردع المستدام، والسيادة الوجودية، ومعركة الوعي قبل معركة السلاح.

 

المصدر: الوفاق \ خاص