انتهت معاهدة «نيو ستارت» في الخامس من فبراير/شباط 2026، لتطوى معها آخر صفحة من صفحات الحد من التسلح النووي بين روسيا والولايات المتحدة. لكن هذا الانتهاء لم يكن حدثًا تقنيًا أو بروتوكوليًا، بل محطة سياسية كبرى تعكس عمق التحولات التي شهدها العالم منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022. وبينما يروّج الغرب لفكرة أن انتهاء المعاهدة يفتح الباب أمام سباق تسلح خطير، ترى موسكو أن واشنطن هي التي دفعت بهذا المسار إلى نهايته عبر سياسات عدائية، وتجاهل متواصل للمخاوف الأمنية الروسية، ومحاولات لاستغلال الاتفاقيات الدولية لتحقيق مكاسب أحادية.
ومع ذلك، فإن الساعات الأخيرة قبل انتهاء المعاهدة حملت تطورًا لافتًا، تمثّل في مفاوضات جرت في أبو ظبي بين مبعوثين أمريكيين ومسؤولين روس، في محاولة للتوصل إلى تفاهم مؤقت يتيح استمرار الالتزام ببنود المعاهدة ريثما يتم التفاوض على صيغة جديدة. هذا التطور، رغم أنه لم يصل بعد إلى مستوى اتفاق رسمي، يعكس إدراكًا أمريكيًا متأخرًا بأن غياب أي إطار قانوني يضبط التسلح النووي مع روسيا قد يفتح الباب أمام مرحلة غير مسبوقة من عدم الاستقرار. أمّا موسكو، فترى في هذا التحرك اعترافًا ضمنيًا من واشنطن بأن مقاربتها السابقة كانت خاطئة، وأن تجاهل المخاوف الروسية لم يعُد ممكنًا في عالم يتجه نحو تعددية قطبية واضحة.
روسيا بين حرب أوكرانيا وانهيار المعاهدة
منذ توقيع «ستارت1» عام 1991، التزمت روسيا بخفض ترسانتها النووية، رغم الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي واجهتها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. لكن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا مع توسع الناتو شرقًا، ونشر منظومات دفاع صاروخي أمريكية قرب الحدود الروسية، وتجاهل واشنطن المتكرر للمخاوف الروسية بشأن الأمن القومي. ومع اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022، دخلت العلاقات بينهما مرحلة غير مسبوقة من المواجهة، فرضت خلالها الولايات المتحدة عقوبات واسعة وقدمت دعمًا عسكريًا مباشرًا لأوكرانيا.
في هذا السياق، رأت موسكو أن استمرار آليات التفتيش ضمن “نيو ستارت” لم يعُد منطقيًا، لأن واشنطن –من وجهة نظر روسية– كانت تحاول استخدام هذه الآليات للحصول على معلومات حساسة حول القدرات النووية الروسية في لحظة صراع مفتوح. ولذلك، أعلنت روسيا في فبراير/شباط 2023 تعليق مشاركتها في المعاهدة دون الانسحاب الكامل منها، في خطوة هدفت إلى الضغط على واشنطن للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر توازنًا.
ومع اقتراب موعد انتهاء المعاهدة، لم تُبدِ الولايات المتحدة أي استعداد حقيقي للتفاوض، رغم العروض الروسية المتكررة لتمديدها لعامٍ إضافي. لكن الساعات الأخيرة قبل انتهاء صلاحيتها شهدت تحولًا مفاجئًا، إذ كشفت مصادر إعلامية أمريكية عن مفاوضات جرت في أبو ظبي بين مبعوثَي ترامب ومسؤولين روس، في محاولة للتوصل إلى تفاهم مؤقت يتيح الالتزام ببنود المعاهدة ريثما يتم التفاوض على اتفاقٍ جديد. هذا التطور يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن ترك المعاهدة تنهار بالكامل قد يضع واشنطن في موقع ضعيف، خصوصًا في ظل صعود الصين النووي.
المسؤولية الأمريكية كما تراها موسكو
ترى روسيا أن واشنطن تتحمل المسؤولية الأكبر عن انهيار «نيو ستارت»، ليس فقط بسبب رفضها التفاوض، بل بسبب سياساتها التي قوّضت أساس الاستقرار الإستراتيجي. فالتوسع المستمر للناتو شرقًا، ونشر منظومات دفاع صاروخي في بولندا ورومانيا، وتطوير أسلحة نووية منخفضة القوة، كلها خطوات تعتبرها موسكو تهديدًا مباشرًا لقدرتها على الردع. ومن منظور روسي، فإن الولايات المتحدة لم تكن تسعى إلى الحفاظ على التوازن، بل إلى تحقيق تفوق إستراتيجي يسمح لها بفرض إرادتها على الساحة الدولية.
كما تؤكد موسكو أن واشنطن حاولت استغلال آليات التفتيش ضمن «نيو ستارت» لأغراض استخباراتية، خصوصًا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. فبينما كانت الولايات المتحدة تقدم معلومات استخباراتية لأوكرانيا حول تحركات القوات الروسية، كانت تطالب في الوقت نفسه باستئناف عمليات التفتيش داخل المنشآت النووية الروسية. وهذا وفق الرؤية الروسية يتعارض مع روح الاتفاق، ويحوّل آليات التحقق إلى أدوات تجسس.
وتضيف موسكو أن الولايات المتحدة كانت تراهن على انتهاء المعاهدة لفتح المجال أمام تطوير ترسانتها النووية دون قيود، خصوصًا في ظل تصاعد التنافس مع الصين. وقد ظهر هذا بوضوح في تصريحات مسؤولين أمريكيين أكدوا أن أي اتفاق جديد يجب أن يشمل الصين، رغم أن بكين أعلنت بوضوح أنها لن تشارك في مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة. ومن منظور روسي، فإن هذا الشرط الأمريكي لم يكن واقعيًا، بل كان ذريعة لتجنب التفاوض.
ومع ذلك، فإن المفاوضات التي جرت في أبو ظبي تشير إلى أن واشنطن بدأت تدرك أن تجاهل روسيا لم يعُد خيارًا، وأن غياب أي إطار قانوني يضبط التسلح النووي قد يضع الولايات المتحدة في موقف صعب، خصوصًا مع تسارع التطور النووي الصيني. أمّا موسكو، فترى في هذا التحول اعترافًا متأخرًا بأن مقاربتها كانت أكثر واقعية، وأن العالم لا يمكن أن يستقر دون أخذ المخاوف الروسية في الاعتبار.
مستقبل الردع النووي كما تراه روسيا
مع انتهاء المعاهدة، تدخل العلاقات النووية بين روسيا والولايات المتحدة مرحلة جديدة، لا تخلو من المخاطر، لكنها قد تفتح الباب أمام إعادة صياغة نظام عالمي أكثر توازنًا. فروسيا تؤكد أنها لا تسعى إلى سباق تسلح عددي، بل إلى الحفاظ على قدرة ردع فعّالة تضمن أمنها القومي. وفي هذا السياق، ترى موسكو أن تحديث ترسانتها النووية، وليس زيادتها، هو الخيار الأمثل. وقد طورت روسيا في السنوات الأخيرة أنظمة متقدمة مثل «سارمات» و«أفانغارد» و«كينجال»، وهي أسلحة فرط صوتية قادرة على تجاوز أي منظومة دفاع صاروخي أمريكية، ما يُعيد التوازن إلى المعادلة الإستراتيجية.
وترى موسكو أن انتهاء «نيو ستارت» قد يُشكل فرصة لإطلاق مفاوضات جديدة أكثر شمولًا وعدالة، تأخذ في الاعتبار ليس فقط الأسلحة النووية الإستراتيجية، بل أيضًا الأسلحة النووية التكتيكية، ومنظومات الدفاع الصاروخي، والأسلحة النووية الأمريكية في أوروبا، والترسانات النووية البريطانية والفرنسية، وصعود الصين كقوة نووية. كما لا يمكن العودة إلى اتفاقيات ثنائية ضيقة في عالم متعدد الأقطاب، لأن التوازن النووي لم يعُد محصورًا بين موسكو وواشنطن.
وفي ضوء المفاوضات الجارية في أبو ظبي، ترى روسيا أن أي التزام مؤقت بالمعاهدة يجب أن يكون خطوة أولى نحو اتفاق جديد يأخذ في الاعتبار الواقع الدولي المتغير. أمّا واشنطن، فستجد نفسها مضطرةً إلى التعامل مع هذا الواقع، سواء رغبت أم لا، لأن تجاهل روسيا والصين معًا لم يعُد ممكنًا في عالم يتجه نحو تعددية قطبية واضحة.
ختاماً انتهاء معاهدة «نيو ستارت» يُمثل لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات الروسية–الأمريكية، لكنه ليس نهاية الاستقرار النووي العالمي. بل هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات الأمريكية التي تجاهلت المخاوف الأمنية الروسية، وسعت إلى استغلال الاتفاقيات الدولية لتحقيق مكاسب أحادية. ومع ذلك، فإن المفاوضات الجارية في أبو ظبي تشير إلى أن واشنطن بدأت تدرك خطورة ترك المعاهدة تنهار بالكامل، وأن العودة إلى طاولة التفاوض أصبحت ضرورةً لا مفر منها.