كبري اميري
ويُعدّ هذا الإطلاق خطوة استراتيجية في مسار تطوير البنية التحتية التقنية للإعلام الوطني، إذ من المقرر أن يوفر «جام جم 1» الأساس اللازم للبث الجماهيري التفاعلي، ويفتح فصلاً جديداً في تاريخ الاتصالات الفضائية الإيرانية.
وقد وُضع القمر الصناعي الاتصالاتي «جام جم 1» في المدار إلى جانب قمر صناعي روسي للأرصاد الجوية، بواسطة الصاروخ الحامل الثقيل «بروتون-إم». وأعلنت معاونية التطوير والتكنولوجيا الإعلامية في الإذاعة والتلفزيون أن هذا القمر الصناعي يشكل الخطوة التقنية والعملية الأولى نحو تطبيق تكنولوجيا البث الإذاعي والتلفزيوني التفاعلي الحديث، موضحة أن تصميمه يهدف إلى نقل الإشارات الصوتية والمرئية التفاعلية إلى محطات البث الأرضية المخصصة.
وفي الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة، وبين الثلوج وبرودة قاعدة بايكونور الفضائية، دوى هدير أحد أقوى الصواريخ في العالم، معلناً انطلاق مرحلة جديدة في مسار الاتصالات الفضائية الإيرانية. وقد وصل القمر الصناعي الثابت بالنسبة إلى الأرض «جام جم 1» إلى مداره بنجاح، معززاً حضور إيران في المدار الاستراتيجي الثابت (GEO) بعد سنوات من الجهود المتواصلة.
غير أن دلالات هذا الإطلاق تتجاوز كونه عملية تقنية تقليدية، إذ تعكس أبعاداً استراتيجية وقانونية أعمق في سياق تثبيت الموقع المداري لإيران وتعزيز سيادتها في الفضاء.
اختيار الصاروخ الحامل «بروتون-إم»
تؤكد الصور المنشورة من لحظة الإطلاق مشاركة الصاروخ الثقيل المعروف «بروتون-إم» (Proton‑M) في هذه المهمة، وهو اختيار يعكس فهماً دقيقاً للواقعيات التقنية؛ إذ إن الوصول إلى ارتفاع 36 ألف كيلومتر وحقن القمر الصناعي بدقة في هذا المدار يتطلب قدرات تتجاوز الإمكانات الحالية للصواريخ المحلية من الفئات الخفيفة والمتوسطة.
وفي إطار هذه المهمة، أُطلق القمر الصناعي «جام جم 1» بشكل مشترك وعلى متن الرحلة نفسها مع قمر صناعي روسي للأرصاد الجوية (Elektro‑L)، بهدف خفض التكاليف والاستفادة من معامل الموثوقية العالي الذي يتمتع به هذا النظام الإطلاقي.
ويُعرف صاروخ «بروتون» في الأدبيات الفضائية العالمية بوصفه أحد أكثر الصواريخ الثقيلة موثوقية، إذ يعتمد على محركات فائقة القدرة ووحدة متقدمة لنقل المدار (Briz‑M)، ما يتيح له حقن الحمولة بدقة عالية في مدار الانتقال الأرضي الثابت (GTO) عبر عدة مراحل من احتراق المحركات، وهي قدرة خفّضت إلى الحد الأدنى مخاطر عدم الوصول إلى المدار النهائي، ولا سيما في أول تجربة لإيران على هذا الارتفاع الاستراتيجي.
تكتيك استراتيجي لشراء الوقت
يتجاوز استخدام صاروخ «بروتون» كونه خياراً تقنياً بحتاً، ليشكل بالنسبة إلى إيران تكتيكا استراتيجياً ذكياً. ففي وقت لا تزال فيه الصواريخ الحاملة الوطنية من الفئة الثقيلة، مثل «سيمرغ» و«ققنوس» و«سرير»، تمر بمراحل البحث والتطوير للوصول إلى المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض، أتاح الاعتماد على القدرات التشغيلية الروسية فرصة تثبيت الموقع المداري الإيراني عند خط طول 34 درجة شرقاً قبل انقضاء المهل القانونية التي يفرضها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU).
وبهذا المعنى، أدى «بروتون» دور جسر مرحلي مكّن إيران من تفعيل ملكية واستثمار موقعها في مدار 36 ألف كيلومتر، ومنع فقدانه لصالح المنافسين، بالتوازي مع مواصلة مسار تطوير القدرات المحلية.
مسار موازٍ نحو الاستقلال التقني
إن الاستعانة بصاروخ حامل أجنبي لا تعني توقف عجلة الصناعة الفضائية المحلية، بل تمثل قراراً يهدف إلى شراء الوقت. فالعلماء الإيرانيون يواصلون العمل على مدار الساعة لتطوير الصواريخ الحاملة الثقيلة المحلية والتكنولوجيا المعقدة لوحدات نقل المدار.
وتعمل إيران حالياً على تطوير وحدات نقل مداري، مثل «سامان»، تتولى مهمة استلام الأقمار الصناعية من المدارات المنخفضة ونقلها إلى المدار الثابت على ارتفاع 36 ألف كيلومتر. ويوفر الإطلاق الحالي فرصة ثمينة لاستكمال مراحل النضج والاختبارات النهائية لهذه المنظومات، من دون فقدان المواقع المدارية أو البنى التحتية للبث.
الحفاظ على الموقع المداري عند 34 درجة شرقاً
يُعدّ تثبيت «جام جم 1» في موقعه النهائي عند خط طول 34 درجة شرقاً أحد أكثر إنجازات هذا الإطلاق حيوية. ووفقاً للوائح الاتحاد الدولي للاتصالات، فإن أي دولة لا تتمكن من وضع قمر صناعي في مواقعها المدارية خلال فترات زمنية محددة، تفقد حقها في تلك المواقع.
ومن المقرر أن يستقر القمر الصناعي خلال أقل من ثلاثة أسابيع في موقعه النهائي، ما يحافظ عملياً على سند ملكية إيران لهذا الموقع المداري القيّم، ويوفر تغطية مناسبة وفعالة لاحتياجات الاتصالات والبث التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.
وظيفة مختلفة عن البثّ المباشر للمنازل
على خلاف التصور السائد، لا تتمثل مهمة «جام جم 1» في البث المباشر لأطباق الاستقبال المنزلية (DTH). ويتولى هذا القمر الصناعي مهمة نقل الإشارات الصوتية والمرئية التفاعلية إلى المحطات الأرضية. بعبارة أدق، يؤدي «جام جم 1» دور طريق اتصالي سريع وآمن (Backhaul)، ينقل المحتوى عالي الجودة من طهران إلى محطات الإرسال المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، بما يتيح تنفيذ البث الأرضي بجودة مستقرة ومرتفعة، ويُنهي الاعتماد البنيوي على استئجار الأقمار الصناعية الأجنبية مثل «إنتلسات» و«يوتلسات».
ثلاثة أسابيع حاسمة بعد الإطلاق
لم يكن نجاح الإطلاق سوى نهاية مرحلة البداية، إذ دخل القمر الصناعي الآن واحدة من أكثر مراحل مهمته حساسية. فقد جرى تحريره في مدار انتقالي إهليلجي (GTO)، وخلال الأسابيع الثلاثة المقبلة يتعين عليه تنفيذ سلسلة من المناورات الدقيقة وتشغيل محركاته (Apogee Kick) للتحول تدريجياً إلى مدار دائري ثابت على ارتفاع 36 ألف كيلومتر.
وخلال هذه الفترة، يبدأ القمر الصناعي أيضاً بالتحرك التدريجي نحو موقعه المستهدف عند خط طول 34 درجة شرقاً (Drift)، فيما تدخل الفرق الفنية الأرضية مرحلة العمليات المدارية الأولية (LEOP)، لإجراء اختبارات حيوية تشمل فتح الألواح الشمسية بالكامل، وفحص سلامة البطاريات، ومعايرة الحمولة الاتصالية.
وعليه، يبقى الإعلان عن الاستقرار النهائي وبدء تقديم الخدمات بشكل رسمي رهنا بالانتهاء الناجح من هذه المرحلة الحاسمة.
ويجسد إطلاق القمر الصناعي «جام جم 1» مزيجاً محسوباً من دبلوماسية التكنولوجيا وبناء البنى التحتية الوطنية، إذ استفادت إيران من قدرات شريكها الاستراتيجي للحفاظ على موقعها المداري، بالتوازي مع مواصلة تطوير الصواريخ الحاملة الثقيلة ووحدات نقل المدار المحلية، تمهيداً لتحقيق استقلال كامل في الوصول إلى المدار الثابت بقدرات وطنية خالصة في المستقبل القريب.