تُعدّ محافظة سيستان وبلوشستان، لما تمتلكه من إمكانات طبيعية مثل البراكين والينابيع الحارة، إلى جانب المراكز العلاجية المتخصصة في مجالات كعلاج العقم وطبّ العيون، محافظةً ذات آفاق واعدة في مجال السياحة العلاجية، بحيث يمكن لهذا القطاع أن يتحول إلى أحد المحرّكات الرئيسة للتنمية في المحافظة.
تقع محافظة سيستان وبلوشستان في جنوب شرق إيران، وقد عُرفت منذ القدم بوصفها معبرًا للحضارات والثقافات المتنوعة. فهذه المحافظة، وبفضل حدودها مع أفغانستان وباكستان، لا تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي فحسب، بل تمتلك أيضًا قدرة عالية على التحول إلى قطب للسياحة العلاجية.
كما تزخر المحافظة بكنزٍ من التراث الثقافي والتاريخي المتجذّر في الحضارات القديمة؛ فمن «مدينة سوخته» التي تُعدّ من أوائل مدن العالم ذات التاريخ الممتد لآلاف السنين، إلى العديد من المباني التاريخية، وجميعها شواهد على الغنى الثقافي لهذه المنطقة. ولا يقتصر جذب هذا التراث الغني على السيّاح المحليين فحسب، بل يمكنه أيضًا استقطاب السياح الأجانب.
قدرات طبية متخصصة تستقطب المرضى من الدول المجاورة
ومن بين أنواع السياحة المختلفة، يمكن أن تكون السياحة العلاجية، لما تتمتع به من مزايا اقتصادية واجتماعية متعددة، المحرّك الرئيسي لتنمية سيستان وبلوشستان؛ فالمحافظة، بفضل وجود مراكز طبية متخصصة مثل مستشفى الزهراء(س) لطب العيون في زاهدان، التي تستقبل سنويًا عددًا كبيرًا من المرضى من الدول المجاورة، تمتلك إمكانات كبيرة في هذا المجال.
وفي منطقة تشابهار، يمكن للمواطنين الباكستانيين الاستفادة من القدرات المتوفرة في قطاع السياحة العلاجية في سيستان وبلوشستان عبر منفذ ريمدان في مدينة دشتياري، كما يمكنهم الدخول عبر مدينة ميرجاوه في منطقة زاهدان. كذلك يستطيع مواطنو أفغانستان الاستفادة من هذه الخدمات من خلال مدينتي هيرمند وزهك.
البراكين الطينية والينابيع الحارة.. ثروة طبيعية للسياحة العلاجية
ومن جهة أخرى، تتمتع محافظة سيستان وبلوشستان بموارد طبيعية فريدة من نوعها، مثل البراكين الطينية والينابيع الحارة، التي تمتلك طاقات كبيرة وجاذبية عالية في مجال السياحة العلاجية، وتسهم في استقطاب السيّاح المحليين والأجانب.
ويرى الخبراء أن تطوير السياحة العلاجية يمكن أن يترك أثرًا إيجابيًا وملحوظًا على الانتعاش الاقتصادي في سيستان وبلوشستان، إذ يسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في القطاعات العلاجية، والفندقية، والنقل، والخدمات المرتبطة بها، ما يوفر فرصًا وظيفية جديدة للشباب والمجتمع المحلي.
وبحسب نائب مدير السياحة في إدارة التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية بمحافظة سيستان وبلوشستان، فإن السياحة العلاجية وتقديم الخدمات للمرضى الأجانب تُعدّ إحدى الفروع المتخصصة لصناعة السياحة، وتتمتع المحافظة بقدرات متنوعة وإمكانات عالية لتطوير هذا القطاع.
وأشار عليرضا شهبخش إلى أن السياحة العلاجية في المحافظة تنقسم إلى قسمين رئيسيين؛ القسم الأول هو سياحة الصحة، وتشمل البُنى التحتية والخدمات العلاجية والمستشفيات، وتندرج ضمن مفهوم السياحة العلاجية. أما القسم الثاني فهو السياحة الصحية، ويشمل الينابيع الحارة، والعلاج بالطين، والعلاج بالرمال، والاستفادة من أشعة الشمس، وصحراء لوت، وسواحل مكران، وهي من المزايا الفريدة لهذه المحافظة.
وأوضح شهبخش: أن سيستان وبلوشستان تتمتع بإمكانات مميزة في مجالات العلاج بالمياه والطين والرمال، مشيرًا إلى أن صحراء لوت وظاهرة البراكين الطينية، مثل «بيركل» في مدينة خاش وميناء «تنغ» في تشابهار، تُعدّ مواقع مناسبة لتطوير هذا النوع من العلاج.
وبيّن أنه حتى الآن حصلت ثمانية مستشفيات في سيستان وبلوشستان على تراخيص لاستقبال السيّاح الأجانب، كما حصل مكتبان لخدمات السفر على تراخيص متخصصة في السياحة العلاجية، أحدهما بدأ نشاطه بالفعل، والآخر سيباشر عمله قريبًا.
كما لفت إلى أن المحافظة تشهد، إلى جانب السياحة الصحية، نشاطًا في السياحة الزيارية مع دخول زوّار أربعين الإمام الحسين(ع) عبر حدودها، إضافة إلى السياحة العابرة (الترانزيت) والسياحة الدينية والعلاجية، ولا سيما في ظل الجوار الحدودي مع أفغانستان وباكستان وضعف بعض البُنى التحتية الصحية في هاتين الدولتين.
وأكد أن السياحة العلاجية تلعب دورًا مؤثرًا في تنمية سيستان وبلوشستان، وتسهم في تحسين أوضاعها الاقتصادية، إذ يجلب كل سائح صحي عملة أجنبية مضاعفة، ويدعم فرص العمل والأعمال المحلية.
دور القطاع الخاص والبنية التحتية في تطوير سياحة الصحة
من جهته، أكد معاون الشؤون السياسية والاجتماعية لمحافظة سيستان وبلوشستان ضرورة تطوير السياحة العلاجية بالاعتماد على قدرات القطاع الخاص، وبمساندة الحكومة في إنشاء البُنى التحتية وإزالة المعوقات، معتبرًا أن هذا المجال يمكن أن يتحول إلى فرصة مستدامة لتنمية المحافظة.
وأوضح عليرضا شهركي: أن الصحة تُعدّ أحد العناصر الأساسية للتنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن القدرات العلاجية، والبُنى التحتية للمستشفيات، والكوادر البشرية المتخصصة، ونشاط القطاع الخاص، تشكّل الركائز الأساسية لتطوير السياحة العلاجية.
وشدد على أن تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال يتطلب مشاركة فعالة من القطاع الخاص، وإنشاء سلسلة متكاملة من الخدمات العلاجية، والإقامة، والنقل.
كما أكد أهمية تطوير البنية التحتية للنقل، ولا سيما الرحلات الجوية وشبكات الوصول، باعتبارها من المتطلبات الأساسية لسياحة الصحة.