مستهدفةً الوعي الجمعي الفلسطيني

المتبخّرون في غزة.. حين تتحوّل الإبادة إلى سياسة لمحو الإنسان والذاكرة

 «المتبخّرون» ليسوا مجرد ضحايا لأسلحة محرّمة، بل ضحايا لسياسة تستهدف الوعي الجمعي، وتعمل على تفكيك القدرة النفسية للمجتمع على الصمود

لم تعُد الحرب على غزة مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّلت إلى مساحة تُختبر فيها حدود العنف السياسي، وإلى ميدان تُمارس فيه أشكال جديدة من الإبادة التي تستهدف الإنسان في وجوده المادي والنفسي معًا. ومع ظهور ظاهرة «المتبخّرون» وهي اختفاء آلاف الجثامين تحت وطأة قنابل حرارية وضغطية، لم يعُد السؤال مقتصرًا على عدد الضحايا، بل على طبيعة الجريمة نفسها: لماذا تُستخدم أسلحة تمحو الجسد؟ وما الذي يعنيه أن يُترك مجتمع كامل بلا أثر مادي لضحاياه؟ وكيف يتحوّل غياب الجثمان إلى أداة سياسية ونفسية في آن واحد؟

 

الجسد الفلسطيني بين النار والسياسة

 

منذ الأيام الأولى للحرب، بدأت فرق الدفاع المدني في غزة توثّق حالات غير مألوفة: مواقع قصف لا تحتوي على جثامين، بل على رماد متناثر أو بقع دم أو رمل أسود. ومع مرور الوقت، تبيّن أن الأمر ليس استثناءً، بل نمطًا متكررًا. أكثر من 2,800 جثمان اختفى بالكامل، وفق توثيق رسمي، بينما تشير تقديرات الدفاع المدني إلى وجود 10 آلاف جثمان تحت الأنقاض قد لا يُعثر عليها أبدًا.

 

لكن خلف هذه الأرقام تكمن قصة سياسية. فالجسد الفلسطيني، الذي لطالما كان محور الصراع سواء عبر الاعتقال أو الاغتيال أو الحصار أو منع العلاج أصبح اليوم هدفًا لسياسة جديدة: سياسة محو الجسد. هذه السياسة لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تسعى إلى إزالة أثره، وإلى حرمان عائلته من أي يقين، وإلى تحويل الموت إلى فراغ لا يمكن الإمساك به.

 

الأسلحة الحرارية والفراغية.. حين يصبح السلاح جزءًا من السياسة

 

التحقيقات الاستقصائية كشفت عن استخدام قنابل حرارية وفراغية أميركية الصنع، مثل BLU-109 وGBU-39 وMK-84 وصواريخ هيلفاير. هذه الأسلحة ليست مجرد أدوات قتل، بل أدوات مصممة لإحداث حرارة تتجاوز 3,500 درجة مئوية، وهي حرارة كفيلة بتبخير الماء داخل الجسم البشري وتحويله إلى رماد. لكن السؤال السياسي هنا: لماذا تُستخدم هذه الأسلحة في مناطق مكتظة بالسكان؟ ولماذا تُستخدم في سياق تُعرف فيه النتائج مسبقًا؟

 

الإجابة تكمن في طبيعة المشروع السياسي للاحتلال. فهذه الأسلحة لا تُستخدم فقط لتحقيق هدف عسكري، بل لتحقيق هدف سياسي: خلق مستوى من الرعب الوجودي، وإرسال رسالة بأن الفلسطيني ليس فقط مهددًا بالقتل، بل بالاختفاء الكامل.

 

 

من الفلوجة إلى غزة.. تكرار الجريمة وتحوّلها إلى سياسة

 

حين تحدّث يسري أبو شادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقًا، عن تشابه ما يحدث في غزة مع ما جرى في الفلوجة عامي 2004 و2005، لم يكن ذلك مجرد مقارنة تقنية. بل كان إشارة إلى نمط سياسي: استخدام أسلحة محرمة دوليًا في سياقات يُراد فيها إخفاء الجريمة.

 

في الفلوجة، كما في غزة، اختفت الجثامين، وظهرت آثار احتراق كامل، وتحوّل الجسد إلى مادة قابلة للتلاشي. وفي الحالتين، كان الهدف واحدًا: سحق المقاومة عبر سحق الإنسان، وإرباك التحقيقات عبر محو الأدلة، وإرسال رسالة بأن القوة العسكرية قادرة على تجاوز كل الحدود.

 

 

القانون الدولي.. بين النصوص الجامدة والواقع المحترق

 

القانون الدولي الإنساني يضع قواعد واضحة: التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، وحظر الأسلحة التي تسبب معاناة غير ضرورية. لكن في غزة، يبدو أن هذه القواعد تُعامل كأوراق قديمة لا قيمة لها أمام قوة سياسية تحظى بدعم دولي غير محدود.

استخدام الأسلحة الحرارية والفراغية في مناطق مكتظة بالسكان يُعدّ انتهاكًا صارخًا لهذه القواعد. لكن الأخطر من ذلك هو أن اختفاء الجثامين يجعل من الصعب إثبات الجريمة، ما يخلق دائرة مغلقة: السلاح يمحو الجسد، وغياب الجسد يمنع التحقيق، وغياب التحقيق يسمح بتكرار الجريمة.

 

المتبخّرون.. أثر نفسي يضرب البُنية الداخلية للمجتمع

 

لا يقتصر اختفاء الجثامين على كونه مأساة فردية، بل يتحوّل إلى صدمة جماعية تهزّ المجتمع من الداخل. ففي الحروب التقليدية، يكون الفقد واضحًا وله مسار نفسي يمكن التعامل معه، أما في حالة «المتبخّرين» فإن الفقد يتحوّل إلى فراغ لا يمكن الإمساك به، وإلى سؤال بلا جواب. هنا يصبح الألم معلّقًا، والجرح مفتوحًا، واليقين غائبًا.

 

على المستوى الفردي، يخلق غياب الجثمان حالة من الاضطراب العميق. فالشخص الذي ينتظر خبرًا أو أثرًا أو بقايا، يعيش في دائرة لا تنتهي من الإنكار والبحث. هذا ما يُعرف بـ«صدمة الفقد غير المكتمل»، وهي من أكثر الصدمات قسوة لأنها تمنع العقل من بدء عملية التكيّف. فغياب الدليل المادي يجعل الفقد حدثًا غير مكتمل، ويحوّل الانتظار إلى عبءٍ يومي ينهك النفس ويستنزف القدرة على الاستمرار.

 

أمّا على المستوى الجماعي، فإن الظاهرة تُحدث شرخًا في الوعي العام. فالمجتمع الذي يفقد أبناءه دون أثر يفقد جزءًا من تماسكه الداخلي، ومن قدرته على بناء رواية مشتركة حول ما حدث. الجريمة بلا جثث تُربك الذاكرة، وتخلق شعورًا بالعجز، وتُضعف القدرة على المقاومة النفسية. ومع الوقت، يتحوّل هذا الارتباك إلى حالة عامة من القلق الوجودي، وكأن المجتمع بأكمله يعيش في مساحة رمادية بين الحياة والموت.

 

بهذا المعنى، فإن «المتبخّرين» ليسوا مجرد ضحايا لأسلحة محرّمة، بل ضحايا لسياسة تستهدف الوعي الجمعي، وتعمل على تفكيك القدرة النفسية للمجتمع على الصمود. فالمحو هنا لا يطال الجسد فقط، بل يطال الشعور بالأمان، والذاكرة، والقدرة على فهم ما يجري. وهذا ما يجعل أثر الظاهرة أخطر من القتل ذاته، لأنها تضرب المجتمع في أعمق نقطة فيه: إحساسه بوجوده واستمراره.

 

 

الأرقام التي تكشف حجم الجريمة السياسية

 

حين تعلن وزارة الصحة في غزة أن عدد الشهداء تجاوز 72 ألفًا، وأن عدد الجرحى تجاوز 171 ألفًا، فإن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الدمار، بل حجم السياسة التي تقف خلفه. فهذه ليست حربًا تهدف إلى تحقيق هدف عسكري محدد، بل عملية إبادة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي.

 

أمّا الأرقام المتعلقة بالمتبخّرين، فهي تكشف عن مستوى جديد من العنف: عنف يهدف إلى محو الإنسان من الوجود، وإلى خلق فراغ في الذاكرة الجماعية، وإلى تحويل الموت إلى حدثٍ بلا أثر.

 

المجتمع الدولي.. صمت يرقى إلى مستوى المشاركة

 

رغم كل الشهادات، ورغم كل التحقيقات، ورغم كل التقارير الحقوقية، لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا أو غير راغب في اتخاذ موقف حقيقي. هذا الصمت ليس حيادًا، بل هو موقف سياسي، يساهم في استمرار الجريمة.

 

إنّ عدم تشكيل لجنة تحقيق دولية، رغم الدعوات المتكررة، ليس مجرد تقصير، بل هو جزء من منظومة سياسية تسمح للاحتلال باستخدام أسلحة محرمة دون خوف من المحاسبة.

 

المتبخّرون.. جثامين غائبة وحقيقة لا يمكن محوها

 

ظاهرة المتبخّرين ليست مجرد مأساة إنسانية، بل هي جريمة سياسية بامتياز. فهي تكشف عن طبيعة الاحتلال، وعن طبيعة الدعم الدولي الذي يحظى به، وعن حدود القانون الدولي، وعن قدرة السلاح على محو الجسد، وعن عجز العالم عن مواجهة الحقيقة.

 

لكن الحقيقة، رغم كل شيء، لا تُمحى. فالرمل الأسود الذي يخلّفه القصف، والركام الذي يغطي البيوت، والدموع التي لا تجد جثمانًا تبكيه، كلها شواهد على جريمة لا يمكن إخفاؤها. المتبخّرون، رغم غيابهم، حاضرون في الوعي الفلسطيني، وفي الذاكرة العربية، وفي سجل الجرائم التي لن تُنسى.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص