يعيش قطاع غزة تحت حصار خانق، لكن السنوات الأخيرة حملت تحولاً نوعياً في طبيعة العدوان الصهيوني، إذ باتت غزة ساحة اختبار لسياسات دولية تتجاوز حدود فلسطين. ومع مطلع عام 2026، تتكثف الضغوط الصهيونية ـ الأميركية لفرض ترتيبات أمنية تُجرد الفلسطينيين من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، بينما تُدار العمليات العسكرية بجرعات محسوبة تهدف إلى إنهاك المجتمع دون إثارة ضجة عالمية. في هذا المشهد، يجد الغزيون أنفسهم أمام معادلة ظالمة: إما القبول بنزع إرادتهم، أو مواجهة خطر إبادة جديدة. وما يجري اليوم ليس مجرد صراع محلي، بل جزء من مشروع لإعادة تشكيل المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية، حيث تتحول غزة إلى مرآة لصراع أكبر على شكل النظام الدولي الذي يتصدع أمام أعين الجميع.
غزة بين التصعيد المستمر ومعادلة الردع
تعيش غزة حالة استنزاف دائمة، إذ لا تكاد تنتهي جولة عدوان حتى تبدأ أخرى. الاحتلال يعتمد سياسة الحرب منخفضة الوتيرة، مستخدماً الطائرات المسيّرة والذخائر الصغيرة لضرب البُنية الاجتماعية والاقتصادية دون أن يثير ردود فعل دولية واسعة. هذه السياسة تهدف إلى إبقاء المقاومة تحت الضغط وإضعاف المجتمع المدني تدريجياً وفرض معادلة ردع من طرف واحد، بحيث يصبح القصف أمراً عادياً لا يستدعي اهتمام العالم. ومع مرور الوقت، يتحول العدوان إلى روتين يومي، بينما يدفع الفلسطينيون الثمن الأكبر من حياتهم وبيوتهم ومستقبلهم، في ظل صمت دولي يكتفي بإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها
وهكذا لا يكاد القطاع يلتقط أنفاسه حتى تعود الطائرات المسيّرة لتفتح جولة جديدة من التصعيد. كيان الاحتلال يبرّر عملياته بأنها ردّ على «محاولات خروج من الأنفاق» أو «تحركات مشبوهة» قرب مناطق انتشار قواته، لكن الوقائع تشير إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء المقاومة تحت الضغط الدائم.
نزع السلاح ومحاولة فرض الاستسلام
الملف الأكثر حساسية هو سلاح المقاومة، الذي يحاول كيان الاحتلال والولايات المتحدة تجريده من مضمونه عبر ضغوط سياسية وأمنية متواصلة. العدو الصهيوني لا يريد تهدئة، بل يريد إنهاء القدرة الفلسطينية على الردع، ولذلك يصرّ على نزع السلاح بالكامل، بما في ذلك الأسلحة الخفيفة التي تُعدّ الحد الأدنى من أدوات الدفاع عن النفس. هذا الإصرار لا يعكس حرصاً على الأمن، بل رغبة في فرض استسلام كامل على شعب محاصر. بالنسبة للفلسطينيين، السلاح ليس مجرد بندقية، بل رمز للوجود والكرامة، والتخلي عنه يعني القبول بواقع تُفرض فيه الحياة والموت بقرار خارجي. لذلك ترفض الفصائل أي صيغة تُفقدها القدرة على حماية شعبها، لأنها تدرك أن أي تنازل في هذا الملف سيُترجم إلى فقدان القدرة على الردع وإلى فتح الباب أمام مرحلة جديدة من السيطرة الصهيونية المباشرة.
تفاهمات أمنية غير معلنة وإدارة الإبادة ببطء
تشير الوقائع إلى تفاهم ضمني بين تل أبيب وواشنطن يسمح للاحتلال بالتحرك داخل القطاع بحرية، شرط أن يبقى العدوان هادئاً إعلامياً. لذلك نرى اغتيالات مركّزة وقصفاً محدود التأثير وضربات ليلية بطائرات مسيّرة تستهدف البُنية التحتية الحيوية. هذه السياسة ليست حرباً بالمعنى التقليدي، بل إبادة بطيئة تُدار بعناية، بحيث يبقى القطاع في حالة موت تدريجي دون أن يتحول إلى حدث عالمي يومي. الاحتلال يدرك أن المجازر الكبرى تثير الرأي العام الدولي، لذلك يعتمد أسلوباً أكثر هدوءاً لكنه لا يقل فتكاً، يهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وتفكيك قدرته على الصمود من الداخل.
غزة كورقة في لعبة القوى الإقليمية والدولية
غزة اليوم ليست مجرد ملف فلسطيني، بل ورقة ضغط في يد القوى الكبرى. كيان الاحتلال يستخدم ملف نزع السلاح لابتزاز واشنطن، بينما ترى الإدارة الأميركية في غزة ساحة اختبار لخططها في الشرق الأوسط. القوى الإقليمية في المنطقة، تحاول منع الانفجار الكامل، لكن القرار الحقيقي يبقى بيد من يملك القوة العسكرية. وهكذا يتحول القطاع إلى رهينة لتوازنات خارجية، بينما يُهمَّش صوت الشعب الفلسطيني الذي يدفع الثمن الأكبر. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الفلسطينيون مجرد عنصر في معادلة دولية أكبر، تُرسم فيها خرائط النفوذ والتحالفات، بينما تُترك حقوقهم الأساسية معلّقة بين الوعود والتفاهمات غير المعلنة.
المقاومة بين الاستنزاف والصمود
ورغم الخسائر الكبيرة، ما زالت المقاومة قادرة على الصمود، لأنها تدرك أن التخلي عن السلاح يعني التخلي عن الحق في الوجود. الضغوط الدولية تهدف إلى فرض معادلة آخر خرطوشة، لكن الفصائل ترفض أي صيغة تُفقدها القدرة على الردع. ومع ذلك، يدرك الجميع أن استمرار المواجهة يفاقم الاستنزاف البشري والاقتصادي، ما يجعل غزة أمام معركة طويلة تتطلب صموداً استثنائياً. ومع كل جولة عدوان، يثبت الفلسطينيون أن قدرتهم على التحمل تتجاوز حسابات القوى الكبرى، وأن إرادتهم السياسية لا يمكن كسرها بسهولة، مهما اشتدت الضغوط.
حياة معلّقة بين الحرب واللاحرب
في ظل غياب اتفاق حقيقي، يعيش الغزيون حياة معلّقة بين حرب لا تتوقف وهدوء هشّ لا يلبث أن ينهار. المدارس والمستشفيات والبُنية التحتية كلها تتأثر بالتصعيد المستمر، والخوف من عودة الإبادة يخيّم على الناس، بينما تبدو أي تسوية عادلة بعيدة المنال. الأزمة لم تعُد سياسية فقط، بل تحولت إلى مأساة إنسانية شاملة، إذ يصبح البقاء نفسه معركة يومية. ومع ذلك، يواصل الناس حياتهم بإصرار لافت، يدرّسون أبناءهم، يعيدون بناء ما تهدم، ويبحثون عن لحظات صغيرة من الفرح وسط الركام، في مشهد يعكس قدرة الفلسطينيين على تحويل الألم إلى قوة.
غزة في قلب إعادة رسم الشرق الأوسط
تحاول واشنطن وتل أبيب فرض نظام أمني جديد في المنطقة، وغزة هي نقطة الاختبار الأولى. أي خطوة ميدانية أو سياسية في القطاع ترتبط اليوم بملفات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية. الاحتلال يسعى إلى استثمار اللحظة الدولية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يضمن تفوقه المطلق، بينما يبقى الشعب الفلسطيني خارج حسابات القوى الكبرى، رغم أنه صاحب الأرض والقضية. وهكذا تتحول غزة إلى محور في معركة أكبر تتعلق بإعادة توزيع القوة في الشرق الأوسط، حيث تُستخدم معاناة الفلسطينيين كأداة في صراع لا يملكون فيه سوى الصمود.
ختاماً غزة اليوم ليست مجرد ساحة مواجهة، بل مرآة لصراع أوسع على شكل النظام الدولي. بين محاولات نزع السلاح وتهديدات الإبادة، وبين تفاهمات أمنية غامضة وضغوط انتخابية صهيونية، يبقى القطاع صامداً رغم كل شيء. كيان الاحتلال يريد إنهاء المقاومة، لكن الفلسطينيين يرون في الصمود خيارهم الوحيد للحفاظ على حقهم في الحياة والحرية. وفي غياب حل سياسي عادل، ستظل غزة تقاوم، لأنها تمثل جوهر القضية الفلسطينية وكرامة شعب يرفض أن يُمحى من التاريخ.