وتعيد رسم ملامح الصراع

كوبا في عين العاصفة..  كيف تواجه الجزيرة أعتى حصار أميركي في تاريخها؟

 تدرك الولايات المتحدة أن وجود دولة مستقلة على بعد كيلومترات من سواحلها يُشكّل تحدياً رمزياً وسياسياً، فالثورة الكوبية ليست مجرد نظام سياسي، بل نموذج بديل يثبت أن التنمية ممكنة خارج النموذج النيوليبرالي

تعيش كوبا اليوم واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية حساسية منذ انتصار الثورة قبل أكثر من ستة عقود. فالحصار الأميركي، الذي ظلّ لعقود أداة ضغط ثابتة، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى منظومة عقابية شاملة تستهدف شلّ الدولة الكوبية من جذورها. ومع انتقال واشنطن إلى سياسة «الخنق الكامل»، لم يعُد السؤال المطروح هو قدرة هافانا على التكيّف، بل قدرتها على البقاء وسط حرب هجينة تُستخدم فيها الطاقة والمال والدبلوماسية والهجرة كسلاح. ورغم قسوة الظروف، تبدو كوبا مصمّمة على الدفاع عن سيادتها، مستندةً إلى تاريخ طويل من الصمود، وإلى شعب اعتاد تحويل الأزمات إلى فرص للمقاومة.

 

الحصار النفطي.. شريان الحياة تحت المقصلة

 

لم يكن قطع الإمدادات النفطية الفنزويلية مجرد خطوة عقابية، بل ضربةً مباشرة إلى قلب الاقتصاد الكوبي. فمنذ سنوات، شكّلت فنزويلا الحليف الأوثق لهافانا، إذ كانت تمدّها بعشرات آلاف البراميل يومياً، ما سمح للجزيرة بتغطية جزء كبير من احتياجاتها من الكهرباء وتشغيل المصانع والمستشفيات. لكن العملية الأميركية التي أدّت إلى خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو غيّرت المشهد بالكامل، إذ انقطع الشريان الحيوي فجأة، تاركاً كوبا أمام أزمة طاقة غير مسبوقة.

 

ولم تكتفِ واشنطن بذلك، بل مارست ضغوطاً هائلة على المكسيك، الحليف التاريخي لكوبا، ملوّحةً برسوم جمركية قد تدمّر اقتصادها. وتحت هذا الابتزاز، اضطرت مكسيكو سيتي إلى وقف صادراتها النفطية إلى هافانا، ما جعل الجزيرة تعتمد على إنتاج محلي لا يغطي سوى جزء ضئيل من احتياجاتها. ومع تراجع الإمدادات إلى الصفر تقريباً، دخلت البلاد في حالة شلل صناعي وخدمي، حيث انقطعت الكهرباء لساعات طويلة، وتوقفت المصانع، وتراجعت خدمات النقل، وازدادت صعوبة تشغيل المستشفيات.

 

ورغم هذا الخناق، لم تستسلم هافانا. فقد بدأت محادثات مكثفة مع موسكو لتأمين إمدادات نفطية بديلة، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي. فروسيا، التي ترى في دعم كوبا فرصةً لإعادة تثبيت حضورها في أميركا اللاتينية، تبدو مستعدة لتحدي الضغوط الأميركية، حتى لو لم يكن بإمكانها تعويض كامل الفاقد الفنزويلي والمكسيكي.

 

 

الحرب على العملة الصعبة.. استهداف القوة الناعمة الكوبية

 

منذ عقود، شكّلت البعثات الطبية الكوبية أحد أهم مصادر الدخل الوطني، وأحد أبرز مظاهر القوة الناعمة للجزيرة. فالأطباء الكوبيون، الذين يعملون في عشرات الدول، يدرّون مليارات الدولارات سنوياً، ويعززون صورة كوبا كدولة صغيرة لكنها سخية في التضامن الدولي. لكن واشنطن قررت ضرب هذا القطاع في الصميم، عبر حملة سياسية وإعلامية تتهم هذه البعثات بـ«الاتجار بالبشر»، وتضغط على الدول المضيفة لإنهائها.

 

وقد نجحت الضغوط الأميركية في دفع دول مثل غواتيمالا والبهاماس وغيانا إلى إنهاء برامج التعاون الطبي، ما شكّل خسارة مالية ومعنوية لهافانا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تزامن ذلك مع تراجع السياحة بسبب القيود الأميركية التي تمنع دخول الأوروبيين الذين زاروا كوبا إلى الولايات المتحدة من دون تأشيرة، ما أدى إلى انخفاض كبير في عدد الزوار. كما فرضت واشنطن قيوداً صارمة على التحويلات المالية من الجالية الكوبية، ما حرم آلاف العائلات من مصدر دخل أساسي.

 

ورغم هذه الضربات، لا تزال كوبا تراهن على قدرتها على تنويع مصادر دخلها، وعلى استمرار بعض الدول في دعم برامجها الطبية، إدراكاً منها لأهميتها الإنسانية قبل الاقتصادية.

 

 

الهجرة كسلاح.. إغلاق الأبواب أمام المتنفس الأخير

 

لطالما استخدمت كوبا الهجرة كصمّام أمان يخفف الضغط الداخلي، حيث كان السماح للمعارضين أو الطامحين اقتصادياً بالمغادرة يقلّل من احتمالات الانفجار الاجتماعي. وكانت نيكاراغوا، لسنوات طويلة، البوابة البرية الأساسية للكوبيين نحو الولايات المتحدة، إذ سمحت لهم بالدخول من دون تأشيرة. لكن تحت الضغط الأميركي، ألغت ماناغوا هذه السياسة، ما أغلق الطريق الوحيد المتاح للهجرة.

 

وفي خطوةٍ أخرى، استأنفت واشنطن رحلات الترحيل القسري للمهاجرين الكوبيين، في رسالة واضحة مفادها أن الهجرة لم تعد خياراً، وأن من يحاول الفرار سيُعاد إلى الجزيرة المحاصرة.

 

 

العزلة الدبلوماسية.. تفكيك شبكة الحلفاء التقليديين

 

تسعى واشنطن إلى عزل كوبا إقليمياً ودولياً، عبر الضغط على الحكومات في أميركا اللاتينية لإنهاء تعاونها مع هافانا. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في بعض الدول التي شهدت تغيّراً سياسياً نحو اليمين، ما أدى إلى تراجع الدعم التقليدي للجزيرة. ومع ذلك، لا تزال كوبا تحتفظ بعلاقات قوية مع دول مثل بوليفيا وهندوراس، إضافةً إلى دعم روسي وصيني متفاوت في حجمه لكنه ثابت في مبدئه.

 

وتدرك هافانا أن المعركة الدبلوماسية لا تقل أهمية عن المعركة الاقتصادية، ولذلك تعمل على تعزيز حضورها في المنظمات الدولية، وعلى بناء تحالفات جديدة مع دول آسيوية وأفريقية ترى في التجربة الكوبية نموذجاً للصمود في وجه الهيمنة.

 

 

الداخل الكوبي.. صمود شعب لا يعرف الاستسلام

 

رغم كل الضغوط، لا تزال الجبهة الداخلية الكوبية متماسكة. فالشعب الكوبي، الذي اعتاد مواجهة الأزمات منذ «الفترة الخاصة» في التسعينيات، يمتلك قدرة استثنائية على التكيّف. وقد طوّر الكوبيون أساليب مبتكرة لتجاوز نقص الغذاء والطاقة، مستندين إلى روح جماعية متجذّرة في الثقافة الوطنية.

 

كما أن المؤسسة العسكرية والسياسية لا تزال موحّدة، على عكس ما تراهن عليه واشنطن. فالقوات المسلحة الكوبية، التي تُعدّ رمزاً للسيادة الوطنية، تحظى بثقة واسعة، وتُشكّل ضمانة أساسية لاستقرار البلاد. ويصرّ الرئيس ميغيل دياز كانيل على رفض أي تفاوض تحت الضغط، مؤكداً أن كوبا لن تغيّر نظامها السياسي مقابل رفع العقوبات، وأن السيادة ليست ورقة للمساومة.

 

لماذا تخشى واشنطن من صمود كوبا؟

 

تدرك الولايات المتحدة أن وجود دولة مستقلة على بعد كيلومترات من سواحلها يُشكّل تحدياً رمزياً وسياسياً. فالثورة الكوبية ليست مجرد نظام سياسي، بل نموذج بديل يثبت أن التنمية ممكنة خارج النموذج النيوليبرالي. كما أن القوة الناعمة الكوبية، خصوصاً في مجالات الصحة والتعليم، تُظهر أن دولة صغيرة يمكن أن تمتلك تأثيراً عالمياً يفوق حجمها الجغرافي.ولهذا، فإن إسقاط كوبا ليس مجرد هدف سياسي، بل محاولة لإنهاء رمز عالمي للمقاومة، ولإرسال رسالة إلى بقية دول المنطقة بأن التمرّد على الهيمنة الأميركية له ثمن باهظ.

 

كوبا.. صمود يتجدّد

 

رغم شراسة الحصار وتعقيداته، لا تزال كوبا تقف بثبات، مدفوعة بتاريخ طويل من النضال، وبشعب يرى في الصمود واجباً وطنياً. فالحرب التي تشنّها واشنطن تهدف إلى خنق الجزيرة وإجبارها على الاستسلام، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن عمق الإرادة الكوبية، وعن قدرة هذه الأمة الصغيرة على تحويل الألم إلى قوة.

 

إن كوبا اليوم ليست مجرد دولة تواجه حصاراً، بل رمز لمعركة أوسع: معركة الدفاع عن حق الشعوب في اختيار طريقها. وفي هذه المعركة، تبدو الجزيرة الكاريبية، رغم الجراح، أكثر إصراراً من أي وقت مضى على البقاء، وعلى إثبات أن السيادة ليست امتيازاً، بل حق لا يُنتزع.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة