د. محمد أخکري
عضو هيئة التدريس في جامعة الإذاعة والتلفزيون
مكوّنات تشكّل الوباء الأبستيني للّاأخلاق
إنّ الوباء الأبستيني للّاأخلاق ليس نتاج خطأ فردي، ولا نتيجة انحراف عابر؛ بل هو حصيلة تراكب عدد من المكوّنات البنيوية التي ترسّخت تدريجيًا في العالم الليبرالي الديمقراطي المتأخر. ما ينهار هنا ليس الأخلاق بوصفها قيمة، بل إمكانية الحكم الأخلاقي نفسه.
أ) تفريغ الأخلاق القائمة على القواعد من شرط الإلزام:
الأخلاق التي تقوم حصريًا على القواعد والقوانين وآليات الرقابة الخارجية لا تكون فاعلة إلّا مادام هناك افتراضٌ بوجود إلزام داخلي. في سياسة ما بعد العار، ما تزال القواعد قائمة؛ لكن الشرط الأخلاقي للطاعة قد انهار. يُطبَّق القانون؛ لكنه لم يعد يحمل «حرمة». لم يعد الانتهاك استثناءً، بل أصبح جزءًا من حسابات السلطة؛ وهكذا تُنزع أسلحة الأخلاق القاعدية أمام سلطةٍ قبلت مسبقًا كلفة الخرق.
ب) تآكل التقوى الداخلية في غياب أفق متعالٍ:
مع انهيار المرجعيات المقدّسة والمراقبين الخارجيين، كان من المفترض أن يحلّ الضمير الذاتي محلّهم. غير أن الذي انهار لم يكن الإيمان، بل معيار الحكم. اختُزلت التقوى إلى ذوق شخصي، والضمير إلى إحساس. إنسان العالم بلا إله لم يصبح بالضرورة أكثر شرًّا، بل أقل قدرة على الحكم. في مثل هذا العالم، لا تأمر الأخلاق؛ بل تكتفي بالوصف.
ج) الماكيافيلية البنيوية للسلطة:
في هذا السياق، لا تكون الماكيافيلية مذهبًا صريحًا ولا خيارًا فرديًا، بل المنطق الافتراضي للنظام. تبتعد السلطة عن الأخلاق لا من أجل البقاء، بل من أجل الكفاءة. يُعاد تعريف الشرّ لا بوصفه شرًّا، بل باعتباره «كلفة قابلة للإدارة». وهنا تحديدًا تحدث أبستنة السلطة، حيث لا تُرفض الأخلاق ولا تُعتنق، بل تُستبعَد من معادلة القرار.
د) تحوّل اللذّة والثروة إلى معيار للحكم الاجتماعي:
المشكلة ليست في اللذّة ولا في الثروة بحدّ ذاتهما، بل في أنهما حلّتا محلّ المعيار الأخلاقي. النجاح، والظهور، والتمتع أصبحت مؤشرات للحكم، ولا تصبح الفضيحة مشكلة إلّا إذا أعاقت الاستهلاك أو الصعود الاجتماعي. وإن لم تفعل، تُطبَّع بسرعة. هذا التطبيع هو ما يمكن تسميته «الإرهاق الأبستيني»: خَدَر أخلاقي ناتج عن تشبّع الوعي.
هـ) مأساة الإنسان المتمرّد في لحظة السلطة:
الإنسان المعاصر ناقد للسلطة حين يكون ضعيفًا؛ لكنه، عند لحظة امتلاكها، يعيد إنتاج المنطق ذاته. التمرّد بلا تقوى داخلية لا يقود إلى التحرر، بل إلى مجرّد تبادل للأدوار. هنا يظهر الفاوستية الأبستينية: المقايضة الواعية للأخلاق مقابل الأمان أو الامتياز أو البقاء.
تشييء النقد.. حين يصبح الفضح بلا خطر
في مثل هذا العالم، لا ينجو النقد نفسه من المنطق الوبائي الأبستيني. فالفضح، والاحتجاج، واللغة الراديكالية لا تُقمع فحسب، بل تُمتصّ، وتُدار، ويُعاد توزيعها. مادام النقد لا يفضي إلى حكمٍ مُلزِم، فهو غير خطِر؛ ولهذا السبب تحديدًا يُسمَح له بالدوران. لم تعد السلطة تخشى النقد، لأنها تدرك أن النقد بلا معيار يتحول -بدل أن يكون تهديدًا- إلى وقودٍ لاستمرارها.
والناقد، شاء أم أبى، يُدمَج في المنطق نفسه: يكتب، يفضح، يغضب؛ لكن حكمه لا يتحول إلى فعل. ينفصل النقد عن الأخلاق ويتحوّل إلى إيماءة؛ إيماءة لا تُحدث قطيعة، بل تُنتج توازنًا.
ما هو مُعلّق اليوم ليس الأخلاق السياسية أو نزاهة المؤسسات فحسب، بل إمكانية الحكم الإنساني ذاتها. ففي عالمٍ انهار فيه الأفق المتعالي، وفقد فيه المراقبون الخارجيون شرعيتهم، وتآكل فيه الضمير الداخلي، لم يصبح الإنسان أكثر حرّية، بل أصغر حجمًا. لقد استسلم للدناءة لا بدافع الشر، بل بدافع الإرهاق من الحكم.
السلطة، في هذا العالم، لم تعد بحاجة إلى التستّر؛ لأن الإنسان قد تخلّى سلفًا عن الوقوف في مواجهتها. الأخلاق لا تموت؛ لكنها تُوضَع جانبًا في صمت، ولعلّ هذا هو أخطر أشكال الموت.
ملاحظات ختامية وإحالات تَناسُبية
1- إنّ تصور الإنسان بوصفه كائنًا حاكمًا أخلاقيًا -وهو الأساس الضمني لتحليل تآكل الأخلاق في السياسة الحديثة في هذه المقالة- يتقاطع مع تقاليد الأنثروبولوجيا الإنسانية في فكر يوهان غوتفريد هِردِرJohann Gottfried Herder، ولا سيما حيث تُناط الأحكام الأخلاقية بالتجربة التاريخية، والحسّ الأخلاقي، والمسؤولية الإنسانية، لا بالقواعد المجرّدة. ومع ذلك، لا تلتزم هذه المقالة بقراءة محددة لهِردِر، بل تستلهم أفقه الأنثروبولوجي العام.
2- في مقابل الأخلاقيات القاعدية لعصر التنوير -التي صيغ نموذجها الكلاسيكي في فلسفة إيمانويل كانط Immanuel Kant- تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن المشكلة الأساسية في العالم المتأخر ليست غياب القواعد، بل انهيار إمكانية الحكم الفعّال. ومن ثمّ، فإن أي إحالة إلى الأخلاق الكانطية هنا تؤدي وظيفة تمييز تاريخي لا سندًا استدلاليًا.
3- يمكن فهم مفهوم «الشرّ بلا شيطان» المستخدم ضمنيًا في تحليل الوباء الأبستيني للّاأخلاق في سياق النقاشات المعاصرة حول تطبيع الشر داخل البنى البيروقراطية والسياسية، دون الوقوع في ميتافيزيقية الشرّ أو نفي المسؤولية الفردية. في هذا الإطار، لا يكون الشرّ استثناءً، بل نتيجة طبيعية لتعليق الحكم الإنساني.
4- إنّ استخدام مفاهيم مُبتكَرة مثل «أبستنة السلطة»، و«الإرهاق الأبستيني»، و«الفاوستية الأبستينية» لا يقتصر على البلاغة أو الاستعارة، بل هو محاولة لتسمية أوضاعٍ بقيت في الأدبيات الكلاسيكية للعلوم السياسية والأخلاق مجزّأة ومن دون صياغة موحَّدة.
لا ينطوي نقد الديمقراطية المتأخرة في القسم الختامي على رفض المبدأ الديمقراطي ذاته، بل على نقد تآكل الذات الحاكمة داخل المؤسسات الديمقراطية؛ وهي حالة تستبدل فيها الحصانة البنيوية للسلطة بالمساءلة الأخلاقية، ويغدو فيها النقد نفسه إيماءةً، أو سلعة، أو أداةً لإعادة إنتاج النظام المهيمن.
