يُجسّد اليوم العالمي للغة الأم الذي يصادف غداً السبت 21 فبراير، مناسبة ثقافية وإنسانية تذكّر بأهمية اللغة بوصفها جوهر الهوية ووعاء الذاكرة الجماعية للبشر. فاللغة الأم ترافق الإنسان منذ ولادته، وتشكل نظرته إلى العالم، كما تعكس ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه. ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على اللغات ليس شأناً محلياً، بل مسؤولية إنسانية عالمية، لأن اندثار أي لغة يعني فقدان جزء من التراث الثقافي للبشرية.
لغة الهوية والتحف الأدبية
في مجرة اللغات، كل كلمة هي نجمة، وتُعدّ اللغة الفارسية عنصراً أساسياً في الهوية الإيرانية، وتمتلك مكانة فريدة بين لغات العالم. فهي من اللغات القليلة التي أنجبت روائع أدبية عالمية خالدة، مثل «الشاهنامة» للفردوسي، التي وُضعت إلى جانب «الإلياذة» لهوميروس و«الكوميديا الإلهية» لـ «دانته» وأعمال شكسبير.
كما تُعدّ «المثنوي» لجلال الدين الرومي من أعظم الأعمال العرفانية في تاريخ الإنسانية، إلى جانب «كليات سعدي» و«غزليات حافظ»، ما منح اللغة الفارسية ثقلاً أدبياً وإنسانياً استثنائياً.
ميزات اللغة الفارسية وخصائصها الفريدة
تتميّز اللغة الفارسية بعدد من الخصائص التي تجعلها مختلفة عن سائر اللغات، فهي تشتهر بالعذوبة والطرافة، وتتّسم ببساطة الصرف والنحو، إذ تخلو من التعقيدات الإعرابية والحالات الصرفية المتعددة، ما يسهل تعلمها واستخدامها. كما تمتلك ثروةً معجميةً غنيّة تشكّلت عبر التاريخ من تفاعلها مع لغات عديدة مثل العربية والتركية والفرنسية والإنجليزية، الأمر الذي أكسبها مرونةً وقدرةً عالية على التعبير.
ومن خصائصها اللافتة عذوبة النطق وسلاسة الإيقاع، إضافة إلى استخدام عدة أفعال متتالية للتعبير عن معنى واحد، وكثرة الأمثال والحِكَم التي زادت من عمقها البلاغي، وقد عُرف في إطار هذه اللغة عدد كبير من الشعراء والأدباء والخطباء الذين نالوا شهرة عالمية، من بينهم حافظ، ومولانا، وفردوسي، وغيرهم كثير.
لغة كلاسيكية حيّة وتأثير عالمي
أعلنت اليونسكو أن الفارسية هي اللغة الكلاسيكية الحيّة الوحيدة في العالم، إذ حافظت على بنيتها الأساسية ومفرداتها الرئيسة على مدى أكثر من ألف عام. وقد كان لها تأثير واسع في لغات أخرى، ولا سيما اللغة الأُردية في شبه القارة الهندية.
وفي عصر تتسارع فيه التحولات الثقافية، يبقى التمسك باللغة الفارسية بوصفها لغةً أمّاً ضرورةً للحفاظ على الهوية التاريخية والثقافية، وجسراً يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.