تعيش أوروبا اليوم واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ نهاية الحرب الباردة. فالحرب في أوكرانيا لم تُعد رسم خرائط النفوذ فحسب، بل أعادت صياغة المفاهيم العسكرية التي حكمت الاستراتيجيات الدفاعية الأوروبية لعقود. ومع تراجع اليقين الأوروبي تجاه المظلة الأميركية التي شكّلت أساس الأمن القاري منذ الحرب العالمية الثانية، بدأت الدول الأوروبية تبحث عن بدائل عملية تضمن لها القدرة على حماية أجوائها وحدودها في عالم يتغيّر بسرعة. وفي هذا السياق، أعلنت خمس دول أوروبية كبرى، هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وبريطانيا، عن إطلاق مشروع دفاعي مشترك يهدف إلى تطوير أنظمة دفاع جوي منخفضة التكلفة تعتمد على الطائرات المسيّرة والمنصّات ذاتية التشغيل، في خطوة تُعدّ من أكثر المبادرات طموحاً في تاريخ التعاون العسكري الأوروبي.
هذا المشروع لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد برنامج تقني جديد، بل هو انعكاس لتحوّل استراتيجي عميق في طريقة تفكير أوروبا بالدفاع الجوي، وبمفهوم الردع، وبمستقبل الصناعات العسكرية في القارة. فالحرب في أوكرانيا كشفت هشاشة الأنظمة التقليدية أمام هجمات الطائرات المسيّرة الرخيصة، وأظهرت أن الدفاعات الجوية باهظة الثمن لم تعُد قادرة على مواكبة طبيعة التهديدات الحديثة. ومن هنا، جاء السعي الأوروبي نحو بناء منظومات منخفضة التكلفة، سريعة الإنتاج، وقادرة على العمل بكثافة في ساحات القتال الحديثة، بما يضمن توازناً جديداً بين الكلفة والفعالية.
كيف تغيّر فهم القارة للدفاع الجوي؟
لم تكن أوروبا بحاجة إلى تقارير استخباراتية مطوّلة لتدرك حجم التغيير الذي فرضته الحرب في أوكرانيا على طبيعة الصراع العسكري. فالمشهد كان واضحاً أمام الجميع: طائرات مسيّرة صغيرة، منخفضة التكلفة، تُسقط منظومات دفاعية كلّفت ملايين الدولارات. صواريخ اعتراضية باهظة الثمن تُطلق لاعتراض أهداف لا تتجاوز قيمتها بضع مئات من الدولارات. هذا الخلل في معادلة الكلفة والفعالية دفع الجيوش الأوروبية إلى إعادة النظر في منظوماتها الدفاعية، وإلى الاعتراف بأن الدفاع الجوي التقليدي لم يعُد قادراً على مواكبة طبيعة التهديدات الحديثة.
لقد أثبتت المسيّرات، والطائرات الاعتراضية ذاتية التشغيل، أنها قادرة على تنفيذ مهام كانت تتطلب سابقاً طائرات مقاتلة أو صواريخ كروز. كما أثبتت أن كثافة الهجمات يمكن أن تشلّ الدفاعات الجوية مهما بلغت قوتها، إذا لم تكن هذه الدفاعات قادرة على العمل بتكلفة منخفضة وبوتيرة إنتاج عالية. ومن هنا، جاء المشروع الأوروبي الجديد ليعالج هذا الخلل، عبر تطوير مستجيبات منخفضة التكلفة يمكن إنتاجها بكميات كبيرة، وتعمل ضمن منظومات ذاتية التشغيل قادرة على اتخاذ قرارات سريعة في الميدان.
إن الدرس الأبرز الذي خرجت به أوروبا من الحرب في أوكرانيا هو أن الدفاع الجوي لم يعُد مسألة تتعلق فقط بالتكنولوجيا المتقدمة، بل بالكثافة العددية، والسرعة، والقدرة على التعويض المستمر. فالحرب الحديثة أصبحت حرب استنزاف تقني واقتصادي في آنٍ واحد، ومن لا يمتلك القدرة على إنتاج أنظمة دفاعية منخفضة التكلفة سيجد نفسه عاجزاً عن الصمود في مواجهة هجمات متواصلة تعتمد على مسيّرات رخيصة وسهلة التصنيع.
مجموعة E5 تحالف دفاعي جديد أم نواة جيش أوروبي مستقبلي؟
تضم مجموعة E5 أكبر خمس دول أوروبية من حيث الإنفاق العسكري: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بولندا، وبريطانيا. هذا التجمع ليس جديداً تماماً، لكنه اكتسب زخماً غير مسبوق في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع تزايد الشكوك الأوروبية حول التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن القارة. فالتوترات السياسية، وتغيّر الأولويات الأميركية، وصعود النزعات الانعزالية في واشنطن، كلها عوامل دفعت أوروبا إلى التفكير بجدية في بناء قدراتها الدفاعية الذاتية.
إن اجتماع وزراء دفاع هذه الدول في كراكوف لم يكن مجرد لقاء تقني، بل كان إعلاناً سياسياً واضحاً بأن أوروبا تتحرك نحو بناء منظومة دفاعية مشتركة. فالمشروع الجديد يتجاوز حدود التعاون التقليدي، لأنه يشمل تطوير تكنولوجيا مشتركة، وإنتاجاً مشتركاً، وشراءً مشتركاً، وتوحيداً لمعايير التشغيل، وبناء سلسلة توريد أوروبية مستقلة.
هذه العناصر مجتمعة تشكّل الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه مستقبلاً جيش أوروبي موحّد، أو على الأقل منظومة دفاعية أوروبية متكاملة.
إن الدول الخمس تدرك أن التهديدات التي تواجهها اليوم تتجاوز حدود الدول، وأن الدفاع الجوي لم يعُد مسألة وطنية بحتة، بل قضية قارية تتطلب تعاوناً عميقاً. ومن هنا، فإن المشروع الجديد قد يكون خطوة أولى نحو بناء بنية دفاعية أوروبية مشتركة، قادرة على مواجهة التحديات الحديثة بكفاءة ومرونة.
التكنولوجيا الذاتية التشغيل.. من الخيال العلمي إلى ساحات القتال الأوروبية
يشير البيان البريطاني إلى أن المشروع يركز على المنصات ذاتية التشغيل، وهي أنظمة غير مأهولة قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة. هذا المفهوم يفتح الباب أمام جيل جديد من الأسلحة يعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والتواصل بين المنصات دون تدخل بشري، والقدرة على تقييم التهديدات في الزمن الحقيقي.
إن أوروبا تدرك أن الحروب المقبلة لن تُدار بالطريقة التقليدية، وأن الجيوش التي لا تمتلك أنظمة ذاتية التشغيل ستجد نفسها متأخرة في ميدان القتال. لذلك، فإن المشروع الجديد ليس مجرد تطوير مسيّرات، بل هو خطوة نحو بناء منظومة قتالية متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتعمل ضمن شبكات مترابطة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة وفعالة.
بولندا.. من دولة حدودية إلى مركز ثقل في الأمن الأوروبي
لم يكن اختيار كراكوف مكاناً لإعلان المشروع أمراً عابراً. فبولندا أصبحت في السنوات الأخيرة مركز الثقل الجديد في الأمن الأوروبي. فهي الدولة الأكثر قرباً من خطوط المواجهة مع روسيا، وصاحبة واحد من أكبر برامج التسلّح في أوروبا، والدولة التي تستضيف قوات أميركية وأوروبية، ولاعب سياسي صاعد داخل الاتحاد الأوروبي.
تصريحات وزير الدفاع البولندي حول التطوير المشترك لقدرات الضربات الجوية القائمة على الطائرات المسيّرة تعكس رغبة وارسو في أن تكون جزءاً من صناعة القرار الدفاعي الأوروبي، لا مجرد متلقٍّ للمساعدات أو المعدات. فبولندا تسعى إلى لعب دور قيادي في الأمن الأوروبي، وتعتبر أن المشروع الجديد فرصة لتعزيز مكانتها داخل القارة.
بريطانيا بعد بريكست.. عودة إلى قلب الأمن الأوروبي
رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، لم تغادر بريطانيا الساحة الأمنية للقارة. بل على العكس، تسعى لندن إلى تعزيز دورها عبر قيادة مشاريع دفاعية مشتركة، والاستثمار في الصناعات العسكرية، وتقديم خبراتها في مجال الذكاء الاصطناعي والمسيّرات. تصريحات وزير الدفاع البريطاني حول التزام بملايين الجنيهات ليست مجرد إعلان مالي، بل رسالة سياسية بأن بريطانيا ما زالت لاعباً أساسياً في أمن أوروبا.
ختاماً إن إعلان الدول الأوروبية الخمس عن مشروع مشترك لتطوير أنظمة دفاع جوي منخفضة التكلفة ليس مجرد خطوة تقنية، بل هو تحوّل استراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن الأمن الأوروبي لم يعُد كما كان. فالحرب في أوكرانيا كشفت هشاشة الأنظمة التقليدية، وأظهرت أن المستقبل ينتمي للمسيّرات، وللذكاء الاصطناعي، وللأنظمة منخفضة التكلفة التي يمكن إنتاجها بكثافة. هذا المشروع قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدفاع الأوروبي، مرحلة تتجه فيها القارة نحو بناء قدراتها الذاتية، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وتطوير منظومات قادرة على مواجهة التهديدات الحديثة.