إيران في مواجهة الحرب الناعمة.. إدارة الصراع ومعركة الوعي

خاص الوفاق: رغم مرور أكثر من أربعة عقود على الثورة الإسلامية الإيرانية، ورغم أشدّ العقوبات التي فُرضت على دولةٍ في التاريخ الحديث، لم يتحقق الهدف الأساسي: "انهيار الدولة أو تفكك المجتمع".

الدكتور محمدمهدي حسن بغدادي

(باحث في العلاقات الدولية)

 

من هنا تأتي هذه السلسلة من المقالات التي تحاول تقديم قراءة هادئة وغير انفعالية لطبيعة الحرب الناعمة المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر تفكيك أدواتها، وبيان أهدافها، ومناقشة سبل مواجهتها سياسيًا ومجتمعيًا وثقافيًا، وتسليط الضوء على عناصر القوة الكامنة في التجربة الإيرانية، دولةً ومجتمعًا، بعيدًا عن التهويل الإعلامي أو التطمين الساذج، وبمنهج واقعي يستند إلى الوقائع والأرقام. تتكوّن هذه السلسة من خمس مقالات، نبدأها بمقالة افتتاحية تحمل نفس عنوان السلسلة أي “إيران في مواجهة الحرب الناعمة.. إدارة الصراع ومعركة الوعي”، ثم تأتي تباعًا أربع مقالات ننتقل فيها من الإطار العام إلى التفاصيل: من تشويه الإنجاز، إلى صناعة التهمة، إلى الاستنزاف الاقتصادي، وصولًا إلى الرهان على الداخل وحدود فشله. لأنّ معركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على العقل، ومَن يربح الوعي، يربح المستقبل.

 

المقالة الافتتاحية

 

 

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم تتوقف محاولات إسقاطها أو احتوائها أو تفريغها من مضمونها. تغيّرت الأدوات، وتبدّلت العناوين؛ لكن جوهر الصراع بقي واحدًا: كسر إرادة دولة اختارت الاستقلال السياسي، ورفضت الالتحاق بالنظام الدولي بشروطه المفروضة.

 

 

في العقود الأولى، كان الصدام مباشرًا: حصار، تهديد، ثم حرب شاملة امتدت ثماني سنوات (1980–1988)، انتهت من دون أن تحقق أهدافها. بعد ذلك، انتقل الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وأقلّ صخبًا، عُرفت في الأدبيات الاستراتيجية باسم “الحرب الناعمة”؛ حرب لا تُدار بالدبابات، بل بالإعلام، والاقتصاد، والضغط النفسي، وإعادة تشكيل الوعي.

 

 

من الحرب الصلبة إلى إدارة الصراع

 

 

بعد فشل خيار الحرب العسكرية المباشرة، خصوصًا بعد التجربة العراقية والأفغانية، اتجهت الولايات المتحدة إلى “استراتيجية إدارة الصراع” بدل حسمه. هذا التحول ظهر بوضوح منذ مطلع الألفية الثالثة، وتكرّس بعد عام 2003، حيث بات الهدف هو “استنزاف الخصم، لا إسقاطه السريع”.

 

 

في الحالة الإيرانية، تُرجمت هذه الاستراتيجية عبر:

 

 

– عقوبات اقتصادية متراكمة (أكثر من 1500 إجراء عقابي حتى عام 2023 بحسب وزارة الخزانة الأميركية)

 

 

– عزل مالي وتقني

 

 

– حرب إعلامية ممنهجة

 

 

– محاولات مستمرة لإحداث شرخ بين الدولة والمجتمع

 

 

الحرب الناعمة لا تستهدف النظام السياسي فحسب، بل ذاكرة المجتمع، وثقته بذاته، وإدراكه لإنجازاته. لذلك، كان التركيز على: تشويه صورة الثورة وإنجازاتها العلمية والعسكرية، تصوير إيران كدولة فاشلة أو معزولة، وربطها الدائم بسرديات الإرهاب وعدم الاستقرار.

 

 

هذه الحرب تعتمد على التكرار، وتراكم الصورة الذهنية السلبية، حتى تتحول مع الوقت إلى “حقيقة” في وعي المتلقي، خصوصًا الأجيال الشابة؛ لكن كل رهانات الانهيار فشلت رغم شدة العقوبات -التي أشرنا إليها- خلال أكثر من أربعة عقود على الثورة، فالدولة لم تنهار والمجتمع لم يتفكك، بل على العكس، استطاعت إيران تطوير برنامج صناعي وعلمي محلي في ظل الحصار، وبناء قدرات عسكرية ردعية، والحفاظ على حد أدنى من التماسك الاجتماعي والسياسي، بل في ذروة الضغوط، كما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018، لم تنزلق البلاد إلى الفوضى التي راهن عليها كثيرون.

 

 

ومع أحداث 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب مفتوحة على غزة، أعيد تسليط الضوء على موقع إيران في معادلة الصراع الإقليمي؛ لكن الأهم كان “تفعيل جبهة الحرب الناعمة” بوتيرة أعلى، في محاولة لربط أي توتر إقليمي بالداخل الإيراني، وتحميله كلفة نفسية واقتصادية وسياسية مضاعفة.

 

 

ورغم ذلك، أظهرت التطورات اللاحقة، ومنها حرب الأيام الإثني عشر المفروضة، مستوى لافتًا من “الالتفاف الشعبي” حول خيار مواجهة التهديد الخارجي، ما شكّل صفعة جديدة لرهانات التفكك الداخلي.

 

 

ما يجري اليوم ليس مقدمة لحرب شاملة، ولا مؤشرًا على سلام قريب، بل هو صراع طويل النفس، تُدار فيه المواجهة على مستويات متعددة: “اقتصادية، إعلامية، نفسية، وثقافية”.

 

 

وفي هذا النوع من الصراعات، لا يكون الانتصار سريعًا ولا الهزيمة نهائية، بل يُقاس بميزان “الصمود، والقدرة على إدارة الوقت، والحفاظ على الوعي الجمعي”.

 

المصدر: الوفاق/ خاص