يشهد العالم اليوم تحولات عميقة في بنية القوة العسكرية، ولا سيّما في مجال القوة الجوية التي كانت لعقود طويلة أحد أهم مصادر الهيمنة الغربية على النظام الدولي. فمنذ نهاية الحرب الباردة، احتكرت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون التكنولوجيا الجوية المتقدمة، وفرضوا عبرها شروطهم السياسية على الدول النامية، مانعين عنها الوصول إلى مقاتلات متطورة أو تحديثات حساسة إلا ضمن منظومة من الولاءات والاصطفافات. غير أن العقد الأخير حمل تغيرًا نوعيًا، إذ بدأت قوى ناشئة في الجنوب العالمي وفي مقدمتها باكستان والصين تشق طريقها نحو بناء صناعات دفاعية مستقلة، قادرة على إنتاج مقاتلات متعددة المهام، وتطوير منظومات قتالية متقدمة، وتصديرها إلى دول أخرى تبحث عن بدائل للهيمنة الغربية.
في هذا السياق، برزت باكستان كفاعل محوري في إعادة تشكيل توازنات القوة الجوية. فالدولة التي كانت تعتمد لعقود على الولايات المتحدة في تزويدها بطائرات F-16، أصبحت اليوم تمتلك مقاتلتها الخاصة JF‑17، التي طُوّرت بالشراكة مع الصين، وأصبحت رمزًا لمرحلة جديدة من السيادة الدفاعية. ومع توسع حضور هذه الطائرة في آسيا وإفريقيا، بات واضحًا أن باكستان لم تعُد مجرد مستورد للسلاح، بل قوة صاعدة تعيد رسم خيارات الدول النامية، وتحدّ من قدرة الغرب على التحكم في مسارات النزاعات.
معرض روالبيندي الجوي.. إعلان استقلال دفاعي لا مجرد عرض تقني
لم يكن معرض الحديقة الوطنية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء الجوي في روالبيندي حدثًا عابرًا أو مناسبة احتفالية، بل كان إعلانًا سياسيًا واستراتيجيًا عن دخول باكستان مرحلة جديدة من السيادة الدفاعية. فقد عرضت إسلام آباد في هذا المعرض منظومات قتالية متقدمة، ومشاريع بحثية، وقدرات تصنيع محلية، تعكس انتقالها من دولة تعتمد على الخارج إلى دولة تبني أمنها بيدها.
المعرض كشف عن رؤية باكستانية واضحة تقوم على تطوير رأس المال البشري، وتعزيز القدرات البحثية، وتوسيع الشراكات الدولية، خصوصًا مع الصين التي أثبتت أنها شريك مستعد لنقل التكنولوجيا، على عكس الدول الغربية التي تفرض قيودًا صارمة على أي تعاون دفاعي. لقد أرادت باكستان عبر هذا المعرض أن تقول للعالم إنها لم تعُد تنتظر موافقة واشنطن للحصول على طائرة أو تحديث منظومة، بل أصبحت قادرة على إنتاج مقاتلاتها الخاصة، وتطويرها، وتصديرها.
هذا التحول يعكس نضجًا استراتيجيًا طال انتظاره. فباكستان التي عانت لعقود من القيود الأميركية على صيانة وتحديث أسطولها من طائرات F‑16، أدركت أن الاعتماد على الغرب يعني الارتهان لقرارات سياسية قد تتغير بتغير المزاج في واشنطن.
تآكل الاحتكار الغربي للقوة الجوية
لطالما استخدمت الولايات المتحدة وأوروبا التفوق الجوي كأداة للهيمنة السياسية والعسكرية. فقد كان الحصول على مقاتلات متقدمة مثل F‑16 أو Eurofighter مرتبطًا بشروط سياسية صارمة، تشمل التحالفات والاصطفافات والالتزام بالسياسات الغربية. لكن هذا الاحتكار بدأ يتآكل مع صعود قوى جديدة قادرة على إنتاج مقاتلات متطورة بأسعار أقل ودون شروط سياسية.
لقد كشفت التجارب المتكررة للدول النامية مع الغرب أن الاعتماد على السلاح الأميركي أو الأوروبي يعني الخضوع لابتزاز سياسي دائم. فالتحديثات تُمنح أو تُمنع بناءً على مواقف سياسية، وقطع الغيار قد تتحول إلى ورقة ضغط، والصفقات قد تُجمّد لأسباب لا علاقة لها بالأمن القومي للدول المعنية. هذه التجارب دفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائل، ووجدت في الصين وباكستان شريكين قادرين على توفير التكنولوجيا دون شروط سياسية.
الصين، على وجه الخصوص، لعبت دورًا محوريًا في كسر الاحتكار الغربي. فهي لم تكتفِ بإنتاج مقاتلات متقدمة، بل نقلت التكنولوجيا إلى شركائها، وفتحت الباب أمامهم لبناء صناعات دفاعية محلية. هذا النموذج يختلف جذريًا عن النموذج الغربي الذي يقوم على الاحتكار ومنع نقل التكنولوجيا.
المقاتلة JF‑17 .. تحدي الاحتكار الغربي
تُعد المقاتلة JF‑17 Thunder أحد أبرز رموز التحول في القوة الجوية الباكستانية. فهذه الطائرة التي طُوّرت بالشراكة مع الصين، لم تكن مجرد مشروع صناعي، بل كانت مشروعًا استراتيجيًا يهدف إلى تحرير باكستان من الاعتماد على الغرب. اختيار الرقم 17 لم يكن صدفة، بل كان رسالة واضحة بأن الطائرة تتفوق على F‑16 التي تحمل الرقم 16، وأن باكستان لم تعُد تقبل بدور التابع.
لقد أثبتت JF‑17 قدراتها في الميدان، خصوصًا خلال المواجهة الجوية مع الهند في أيار/مايو الماضي، حيث تشير بعض المعطيات إلى أن باكستان تمكنت من إسقاط طائرة Rafale الفرنسية، وهي من أحدث المقاتلات الغربية. حتى لو لم تعترف الهند بذلك، فإن مجرد تداول هذه المعلومات يعكس ثقة باكستان بقدراتها، ويؤكد أن JF‑17 أصبحت لاعبًا حقيقيًا في ساحة القتال الجوي.
باكستان كقوة صاعدة في الجنوب العالمي
إن صعود باكستان في مجال الصناعات الدفاعية لا يقتصر على إنتاج طائرة أو تصديرها، بل يعكس تحولًا أعمق في دور الدولة على الساحة الدولية. فباكستان التي كانت تُعرف لعقود بأنها دولة تبحث عن ضمان أمنها عبر التحالفات، أصبحت اليوم دولة تمنح الأمن لغيرها، عبر تصدير السلاح ونقل التكنولوجيا وتقديم التدريب العسكري.
هذا التحول يعكس نضجًا استراتيجيًا وقدرة على لعب دور إقليمي ودولي يتجاوز حدود جنوب آسيا. فباكستان اليوم ليست مجرد دولة تواجه الهند، بل دولة تشارك في إعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط وإفريقيا والقوقاز، عبر شراكات دفاعية متنامية وصادرات عسكرية متزايدة.
كما أن بناء رأس مال بشري دفاعي، عبر الجامعات والمراكز البحثية والشركات الناشئة، يعكس رؤية طويلة المدى تهدف إلى تحقيق سيادة دفاعية مستدامة، لا مجرد صناعة مؤقتة. وهذا ما يجعل النموذج الباكستاني جذابًا للدول النامية التي تبحث عن بديل للهيمنة الغربية.
نحو نظام عسكري متعدد الأقطاب
إن صعود باكستان، إلى جانب الصين، يشير إلى تشكل نظام عسكري متعدد الأقطاب ينهي مرحلة التفرد الأميركي في السماء. هذا النظام الجديد يقوم على تعدد مصادر السلاح، وتنوع الشراكات، وتراجع قدرة الغرب على التحكم في مسارات النزاعات.
لم تعُد الولايات المتحدة قادرة على فرض شروطها على الدول النامية، أو منع انتشار التكنولوجيا العسكرية، أو التحكم في تحديثات الطائرات. كما أن الدول التي كانت مضطرة للاختيار بين واشنطن وموسكو أصبحت تمتلك خيارات متعددة تتيح لها بناء صناعات محلية وتعزيز سيادتها الوطنية.
هذا التحول لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الجانب الجيوسياسي، حيث بدأت الدول النامية تعيد صياغة علاقاتها الدولية بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية وبما يخدم مصالحها الوطنية.
ختاماً إن صعود باكستان كقوة جوية ناشئة يمثل تحولًا استراتيجيًا يعيد رسم ملامح النظام الدولي. فمع توسع انتشار JF‑17، وتزايد الشراكات الدفاعية، وتنامي القدرات المحلية، أصبحت باكستان لاعبًا لا يمكن تجاهله في معادلة القوة العالمية. لقد انتهت مرحلة احتكار الغرب للسماء، وبدأت مرحلة جديدة تتقاسم فيها القوى الناشئة وعلى رأسها باكستان والصين صناعة القرار العسكري العالمي.