وبحسب ما أوردته صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، فإن الاستخدام الواسع للإعجابات المصطنعة، وإعادة النشر المنسّقة، والحسابات غير الحقيقية، يشكّل جزءاً من حرب افتراضية منظمة تهدف إلى التأثير في الرأي العام وإيحاء بوجود دعم اجتماعي للمعارضة. وأكدت الصحيفة أن ما يُعرض ظاهرياً على أنه موجة شعبية، هو في الواقع نتاج هندسة سيبرانية وعملية نفسية مدروسة.
ووصف قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي ما جرى بأنه «انقلاب فاشل»، ولم يكن ذلك مجرد توصيف سياسي؛ فالانقلاب له أضلاع، وأحد أضلاعه بلا شك هو الحرب النفسية الحديثة الجارية في الفضاء الافتراضي ووسائل الإعلام الأجنبية الناطقة بالفارسية. واعتبار «جهاد التبيين» فريضة فورية وقطعية من قبل قائد الثورة، هو في الواقع دعوة لعدم السماح للعدو بالسيطرة على أذهان الناس عبر الروايات المضللة. فلو لم يكن هناك جهاد التبيين، لربما تمكنت رواية المظلومية الصرفة التي ضخّتها وسائل الإعلام الأجنبية من الاستحواذ على أذهان بعض الفئات الرمادية. غير أن التبيين الشعبي لهذا الحدث وبصيرة الشعب الإيراني أبطلا هذا المخطط خلال أيام قليلة، ومنعا استبدال موقع الجلادين «الدواعش الجدد» بموقع الشهيد. فإذا كان تنظيم داعش الارهابي في سوريا والعراق يذبح الناس بقناع الدين والتكفير، فإننا في الفوضى الأخيرة واجهنا جلادين داعشيين كانوا هذه المرّة يذبحون الناس ويحرقونهم بذريعة تدينهم.
وكان الانتصار في الفتنة مديناً بكسر دوامة الصمت، وكان أبرز تجلياته صرخات الناس في 22 دي 1404هـ.ش (12 كانون الثاني/ يناير 2026) في شوارع البلاد. فقد خرج الموالون لإيران من حالة الانفعال السلبي عندما رأوا أطماع العدو بأرض البلاد، وتحولوا إلى وسائل إعلام متنقلة. ولم تعد الجيوش الافتراضية من الروبوتات وعمليات الأكاذيب المنظمة ذات جدوى للعدو.
وقدّمنا في هذه المعركة 2427 شهيداً، من قوات حفظ الأمن إلى المواطنين الأبرياء. وهذا الرقم وثيقة على جريمة تيارٍ سعى، عبر أموال ضُخّت في منصات العملات الرقمية، وبتوجيه مباشر من الوحدة 8200 التابعة للنظام الصهيوني، إلى «سَورَنة» إيران.
وبحسب رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، فإن ما لا يقل عن عشرة أجهزة استخبارات شاركت بشكل مباشر في هذه الفوضى، وكان دور الوحدة 8200 التابعة لاستخبارات الجيش الصهيوني بارزاً عبر تشغيل عدد محدود من المستخدمين الحقيقيين وملايين الروبوتات في الفضاء الافتراضي.
وإذا كان الهدف النهائي في «حرب الاثني عشر يوماً» المفروضة، هو تحقيق انهيار إدراكي والتلاعب المعرفي لدى أنصار الحكومة، فإن استراتيجية العدو في الفوضى الأخيرة انتقلت إلى مرحلة عملياتية-ميدانية. وبحسب رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، فإن الأذرع الإعلامية استغلت خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي وضخّ المحتوى الفضائي، واعتمدت مساراً ثلاثياً: أولاً، تحديد أماكن التجمعات عبر الدعوات؛ ثانياً، الترويج العلني للعنف؛ وثالثاً، التدريب المنظم لإحداث الفوضى في الشوارع.
وعليه، فإن الكتابة والحديث عن فتنة شهر يناير ليست عودة إلى الماضي، بل هي تثبيتٌ للترياق الذي يُعدّ الذاكرة الجماعية للمجتمع لمخططات العدو المقبلة. والنظر إلى نموذج مواجهة فتنة عام 1388هـ.ش (2009)، وإلى سيرة التبيين وتحذيرات قائد الثورة في تلك المرحلة، يؤكد هذه الحقيقة. فالصمت في هذا الميدان ليس حياداً؛ بل هو تركٌ لجبهة الحق وتقصيرٌ في أداء فريضة جهاد التبيين.
ولا ينبغي السماح بعملية التطبيع أو الاعتياد؛ كما أن التواطؤ العلني للحكومة الأمريكية والنظام الصهيوني مع الجلادين «الدواعش الجدد» الناطقين بالفارسية، لن يصبح أمراً عادياً بأي سحر إعلامي. وإذا لم نُعِد اليوم قراءة أبعاد هذا الانقلاب بدقة ومن دون تلعثم، فإن العدو سيستغل هذه الفراغات في الفتنة القادمة لإعادة إنتاج الشقاقات والشكوك.