لإعادة بناء منظومة ردع حاسمة

توازن جديد يتشكّل.. اليمن يرفع مستوى الجاهزية ويعزز دفاعه الجوي

الوفاق/بعد سنوات طويلة من الحرب مع أمريكا والكيان الصهيوني، لم تعُد العاصمة اليمنية تتعامل مع التهديدات الخارجية بالمنطق ذاته الذي حكم سلوكها في بدايات المواجهة. لقد تغيّر المشهد جذريًا: القدرات العسكرية تطورت، البُنية التنظيمية تعززت، والوعي الاستراتيجي بات أكثر حضورًا.

وفي ظلّ مؤشرات متزايدة على احتمال توسّع دائرة الصراع في المنطقة، يبدو اليمن وكأنه يعيد رسم خريطة الردع الخاصة به، مستنداً إلى مزيج من التطوير العسكري، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، ورفع مستوى الجاهزية المدنية والعسكرية.

 

 

اليمن يرفع مستوى الجاهزية

 

 

لم يكن اجتماع لجنة الطوارئ مجرد إجراء إداري، بل كان إعلانًا واضحًا بأن اليمن يستعد لمرحلة قد تكون الأكثر حساسية منذ سنوات. الاجتماع الذي ترأسه القائم بأعمال رئيس الحكومة، العلامة محمد مفتاح، حمل دلالات تتجاوز الطابع الروتيني، إذ ركّز على رفع مستوى الجاهزية في مختلف مؤسسات الدولة، وعلى تعزيز التنسيق بين الأجهزة المدنية والعسكرية، وعلى وضع خطط استجابة سريعة لأي طارئ محتمل.

 

 

هذا التحرك يعكس إدراكًا رسميًا بأن البلاد قد تكون مقبلة على سيناريوهات غير متوقعة، وأن أي عدوان محتمل يتطلب منظومة دفاعية مدنية متكاملة، لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على القدرة على امتصاص الصدمات، وتأمين الخدمات الأساسية، وضمان استمرار عمل المؤسسات الحيوية.

 

 

في هذا السياق، برز دور الدفاع المدني كعنصر محوري في منظومة الاستعداد. فبعد سنوات من التعامل مع آثار الغارات الجوية، اكتسبت هذه المؤسسة خبرة واسعة في إدارة الأزمات، وأصبحت جزءًا من منظومة الردع غير المباشر. تجهيز مراكز الطوارئ، تدريب فرق الإنقاذ، إنشاء غرف عمليات مشتركة، ورفع جاهزية المستشفيات.. كلها خطوات تشير إلى أن اليمن يتعامل مع احتمال الحرب باعتباره واقعًا يجب الاستعداد له، لا مجرد تهديد إعلامي.

 

 

الدفاع الجوي اليمني.. من نقطة ضعف إلى عنصر مفاجأة

 

 

من أبرز التحولات التي لفتت الأنظار في الأسابيع الأخيرة ظهور منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف. هذا التطور ليس تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل يُمثل نقطة تحول في ميزان القوة داخل الأجواء اليمنية.

 

 

فالمنظومات المحمولة على الكتف، رغم بساطتها مقارنةً بالأنظمة الثقيلة، تُعدّ من أكثر الأسلحة تأثيرًا في ميدان القتال، لأنها تستهدف الطيران المنخفض، وتحدّ من قدرة المروحيات والطائرات الهجومية على تنفيذ عمليات الدعم القريب.

 

 

ظهور هذه المنظومات يعني أن سماء اليمن لم تعُد مفتوحة، وأن أي قوة تفكر في تنفيذ عمليات جوية منخفضة الارتفاع ستواجه مخاطر حقيقية.

 

 

الأهم من ذلك أن هذه المنظومات ليست معزولة عن سياق أوسع من التطوير العسكري. ففي السنوات الماضية، عملت القوات المسلحة اليمنية على تحديث منظومات دفاع جوي قديمة، وتطوير أخرى محلية الصنع، ودمجها مع شبكة إنذار مبكر تعتمد على الرادارات والوسائط البصرية. هذا التطور يعكس انتقال الدفاع الجوي اليمني إلى مرحلة التنظيم، وهي قامت ببناء قدرات ذاتية، ما يفرض على الخصوم حسابات جديدة قبل التفكير بأي هجوم.

 

 

المناورات العسكرية.. رسائل القوة واستعراض الجاهزية

 

 

في الأسابيع الأخيرة، نفّذت القوات المسلحة اليمنية سلسلة من المناورات البرية في محافظات إب والحديدة وصنعاء، استخدمت فيها أسلحة خفيفة ومتوسطة وذخيرة حية، وحاكت سيناريوهات متعددة تشمل الرصد والاستطلاع والاقتحام. هذه المناورات لم تكن مجرد تدريب روتيني، بل كانت محاكاة لسيناريوهات حرب فعلية، استهدفت مواقع افتراضية تمثل أهدافًا حساسة.

 

 

الرسالة هنا واضحة: القوات المسلحة اليمنية لا تنتظر الهجوم لتتحرك، بل تستعد له مسبقًا، وتعمل على رفع جاهزية وحداتها، وتحسين التنسيق بين القوات البرية والجوية، وتعزيز قدرتها على القتال في بيئات مختلفة.

 

 

المناورات حملت أيضًا دلالات سياسية، إذ أراد اليمن أن يقول إنه قادر على خوض حرب متعددة الجبهات مع العدو الصهيوني والأمريكي، وأنه يمتلك القدرة على تنفيذ عمليات هجومية ودفاعية متزامنة، وأن أي محاولة لاستهدافه ستواجه بردّ محسوب ومدروس.

 

 

هذا النوع من الاستعداد يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الحروب الحديثة، إذ لا يكفي امتلاك السلاح، بل يجب امتلاك القدرة على استخدامه بفعالية، ضمن منظومة متكاملة من القيادة والسيطرة.

 

 

الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.. سلاح الردع الأول

 

 

لا يمكن فهم الاستعدادات اليمنية دون التوقف عند التطور اللافت في قدرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. فهذه الأسلحة أصبحت جزءًا أساسيًا من العقيدة العسكرية للقوات المسلحة اليمنية، وأداة رئيسية في فرض معادلة الردع.

 

 

الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، التي تتوقع مصادر عسكرية دخولها إلى ساحة المواجهة في حال اندلاع حرب، تُمثل عنصرًا استراتيجيًا قادرًا على تغيير قواعد اللعبة. فهي قادرة على ضرب أهداف بعيدة، وتتمتع بدقة أعلى من السابق، ويمكن إطلاقها من منصات متحركة، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة.

 

 

أمّا الطائرات المسيّرة، فقد أثبتت في السنوات الماضية أنها سلاح منخفض الكلفة عالي التأثير، قادر على تنفيذ مهام استطلاع وهجوم، وضرب أهداف حساسة بدقة عالية، مع قدرة على المناورة والتخفي.

 

 

هذا التطور في القدرات الصاروخية والمسيّرة يجعل أي عدوان صهيو-أمريكي محتمل على اليمن مكلفًا وغير مضمون النتائج، ويمنح القوات المسلحة اليمنية قدرة على الردّ تتجاوز حدودها الجغرافية، وتفرض على الخصوم إعادة حساباتهم.

 

 

لماذا يتوقع اليمن عدوانًا محتملًا؟

 

 

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا ترفع القوات المسلحة اليمنية مستوى الجاهزية الآن؟ الإجابة تكمن في مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها التوتر الإقليمي المتصاعد، والتحركات العسكرية المكثفة في المنطقة، وإعادة تموضع القوات الأجنبية، إضافةً إلى مخاوف من توسع دائرة الصراع. هذه الظروف تجعل اليمن جزءًا من معادلة أكبر، وتجعل القوات المسلحة اليمنية تتعامل مع احتمال العدوان باعتباره سيناريو واقعيًا، وليس مجرد تهديد إعلامي.

 

 

إضافةً إلى ذلك، هناك قلق متزايد لدى خصوم اليمن الأمريكان والصهاينة من الدور الذي قد يلعبه في أي مواجهة واسعة، خصوصًا في ظلّ القدرات الصاروخية والمسيّرة التي يمتلكها، والتي أثبتت قدرتها على التأثير في مسار الأحداث. هذا القلق يجعله هدفًا محتملاً لأي ضربة استباقية، وهو ما يدركه جيدًا، ويستعد له بكل الوسائل المتاحة.

 

 

ختاماً يقف اليمن اليوم على مفترق طرق تاريخي، بين احتمال اندلاع مواجهة واسعة، وبين إمكانية استمرار حالة الردع المتبادل. لكن المؤكد أن اليمن لم يعُد كما كانت قبل سنوات، وأن قدراتها العسكرية تطورت بشكلٍ لافت، وأنه بات يمتلك أدوات تجعل أي عدوان صهيو-أمريكي عليه مكلفًا وغير مضمون النتائج.

 

 

رفع الجاهزية، تطوير الدفاع الجوي، المناورات المكثفة، وتعزيز القدرات الصاروخية والمسيّرة،  كلها خطوات تشير إلى أن اليمن يستعد لمرحلة جديدة، قد تكون الأخطر، لكنها أيضًا قد تكون مرحلة تثبيت معادلة ردع طويلة الأمد، تعيد رسم ميزان القوة في المنطقة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص