قراءة تحليلية في أحداث يناير 2026

أمريكا لم تفهم إيران حتى في الحرب المعرفية

خاص الوفاق: لم تكن أحداث شهر دي 1404هـ.ش (كانون الثاني/ يناير 2026) مجرد احتجاج عابر، بل مرحلة من حرب معرفية صُمِّمت من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومشروع انطلق بهدف الاستيلاء على عقل وإدراك المجتمع الإيراني؛ لكنه انتهى بالفشل أمام سدّ الهُوية الدينية والعقلانية الجمعية للشعب.

العميد محمدرضا موحد

قائد «لواء كربلاء» في الحرس الثوري

 

 

إذا حللنا ما جرى يناير 2026 فقط في قالب «احتجاج» أو «انعدام أمن» أو «تحدٍّ سياسي»، فإننا نكون -من حيث لا نشعر- قد لعبنا في ملعب مصمّميه. فما وقع في تلك الأحداث كان تنفيذًا مرحليًا لمشروع حرب معرفية “أمريكي – صهيوني”، ميدانه الرئيسي عقل وإدراك المجتمع الإيراني.

 

 

الحرب المعرفية، بخلاف الحرب الصلبة، لا تسعى إلى احتلال الأرض؛ بل هدفها احتلال الحسابات الذهنية. وهذه الحرب تستهدف أربعة مكونات أساسية في عقل الإنسان: الانتباه، والإدراك، والذاكرة، والحُكم.

 

 

فالعدو يحاول، قبل أن يقرر الفرد ماذا يفعل، أن يزرع في ذهنه صورة مشوّهة عن الواقع؛ مثل الادعاء بأن «أغلبية المجتمع وصلت إلى طريق مسدود»، أو أن «لا سبيل للإصلاح»، أو أن «الانهيار وشيك». وفي مثل هذه الحالة، لا يكون سلوك الفرد نتاج تحليل عقلاني، بل رد فعل عاطفي على واقع مُفبرك.

 

 

في أحداث يناير، كان تركيز العملية منصبًّا بدقة على تحفيز العاطفة قبل تفعيل العقل. فقد أغرقت سيلٌ من المحتويات القصيرة، المصوّرة، المثيرة للغضب والمستقطِبة، الفضاء الإعلامي. وتؤكد نتائج علم النفس الاجتماعي بوضوح أنه في ظروف الاستثارة العاطفية العالية، تتراجع القدرة على الحكم المنطقي، وتحل السلوكيات التقليدية والجماعية محل القرار الواعي. وهذه هي الآلية نفسها التي تُستخدم في الحرب المعرفية لتسريع القرارات الاندفاعية وتقليل كلفة الانخراط في سلوكيات عالية المخاطر.

 

 

ولعبت ظاهرة «العدوى العاطفية» دورًا محوريًا في هذا السياق؛ إذ انتقلت العاطفة، كالفيروس، من شخص إلى آخر من دون أن يكون هناك بالضرورة تحليل حقيقي. وتشير دراسة الدوافع المعلنة إلى أن نحو 60 إلى 65 في المئة من الأفعال كانت ذات طابع عاطفي، آني وغير أيديولوجي. وهذا يعني أننا لم نكن أمام «تحرك سياسي مستدام»، بل أمام سلوك غير مستقر ناتج عن تحفيز إدراكي. كما أن خلوّ أكثر من 90 في المئة من الموقوفين من سوابق جنائية، وإبداء الندم بعد انتهاء عواطفهم وإدراكهم لما حدث، يشكّلان تأكيدًا إضافيًا لهذه الحقيقة.

 

 

ومع ذلك، وعلى خلاف الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام المعادية، فإن المجتمع الإيراني لم يكن منهارًا ولا مستعدًا للانفصال. فقد كانت نسبة المشاركة المباشرة في أعمال الشغب أقل من عُشري واحد في المئة من سكان البلاد؛ وهو رقم، من منظور علم الاجتماع السياسي، يقع بوضوح دون عتبة تشكّل حركة اجتماعية شاملة. ولم يكن الجسم الرئيسي للمجتمع -حتى بين المنتقدين- مستعدًا للانخراط في مشروع تفوح منه رائحة التدخل الأجنبي. وهذا الامتناع لم يكن مصادفة، بل دليلًا على وجود نوع من العقلانية الجمعية الصامتة في المجتمع الإيراني الإسلامي.

 

 

كما أن التركيبة العمرية للمشاركين تحمل رسالة واضحة؛ إذ إن التركّز المرتفع في الفئة العمرية بين 13 و25 عامًا يدل على أننا كنا أمام ظاهرة يقودها المراهقون والشباب. ففي هذه المرحلة العمرية، يكون الفرد في طور هشاشة الهوية؛ باحثًا عن المعنى والانتماء والاعتراف. وإذا فشلت الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية في تلبية هذه الحاجة، يُترك المجال لفاعلين آخرين؛ منصات عابرة للحدود تفضّل، عبر خوارزمياتها، العاطفة على التحليل، والصورة على المنطق.

 

 

لقد همّشت خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي واقع الحياة اليومية لغالبية المجتمع، وأعادت تمثيل أقلية صاخبة على أنها «المجتمع بأكمله». وهذه هي المغالطة الإدراكية المعروفة بـ«التضخيم الزائف»، حيث يُفهم الظهور الأكبر خطأً على أنه انتشار أوسع. وتشير دراسة أنماط الاستهلاك الإعلامي لدى المشاركين إلى أن غالبيتهم كانوا، قبل نزولهم إلى الشارع، يتعرضون بشكل مستمر لمحتوى قصير، عاطفي ومستقطِب.

 

 

غير أن نقطة انهيار مشروع العدو كانت عندما انزلقت السلوكيات العاطفية نحو العنف العاري والراديكالية الهوياتية. فقد شكّل دخول عناصر إرهابية، وإشعال الحرائق، والتخريب الأعمى، ولا سيما التجرؤ على الرموز الدينية مثل المساجد والقرآن، خطأً استراتيجيًا كبيرًا. ففي المجتمع الإيراني، المسجد ليس مجرد مبنى؛ بل هو جزء من الذاكرة التاريخية والهوية الجمعية. والهجوم على المسجد يُفهم في وعي الناس لا كاحتجاج على الحكومة، بل كهجوم على «نحن».

 

 

عند هذه النقطة، فُعِّلت آلية «الرفض الاجتماعي». وحتى كثير من الساخطين اقتصاديًا حدّدوا مسافتهم عن مثيري الشغب. أما المراهقون الذين دخلوا الميدان بدافع الحماسة، فقد واجهوا «تنافرًا معرفيًا»؛ إذ وجدوا أنفسهم إلى جانب سلوك لا يتوافق مع قيمهم الداخلية. وكانت النتيجة الانسحاب من السلوك وانتهاء الشغب.

 

 

لقد أظهرت أحداث يناير 2026 أن المخططين الأمريكيين والصهاينة لهذه الفتنة لم يفهموا المجتمع الإيراني. فقد نظروا إلى إيران باعتبارها مجرد مجموعة الناس الساخطين اقتصاديًا، لا مجتمعًا ذا عمق هوياتي وروابط دينية وتجربة ثورية تاريخية. وإن تجاوز الخطوط غير المرئية للهوية الدينية والوطنية أفضى إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما أرادوه.

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة