حين طُرح السؤال: «أكبر بنك جلد بشري في العالم، لِمن؟ ومن أين يأتي بكل هذا الجلد؟» لم يكن مجرّد استفسار تقني عن منشأة طبية متخصصة، بل كان مدخلًا إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في سياق ممارسات كيان الاحتلال، حيث يتقاطع الطب العسكري مع حقوق الإنسان، والعلم مع السياسة، والجرح الفلسطيني المفتوح مع منظومات صامتة من المؤسسات الدولية.
إعادة تسليط الضوء على ما يُعرف بـ«بنك الجلد» التابع لكيان الاحتلال، لم تأتِ من فراغ، بل جاءت في سياق تراكمي من التقارير، والشهادات، والاتهامات، التي تتحدث عن انتهاكات تتجاوز حدود ساحة المعركة، لتطال أجساد الشهداء بعد موتهم، وتحوّل الجسد الفلسطيني إلى ساحة أخرى للصراع، هذه المرة بين الرواية الرسمية والاتهامات الحقوقية والأخلاقية.
بنك الجلد.. من فكرة طبية إلى مؤسسة عسكرية–استراتيجية
تعود جذور فكرة إنشاء بنك للجلد في كيان الاحتلال إلى ما بعد حرب 1973، حين واجه الجيش أعدادًا كبيرة من الجنود المصابين بحروق شديدة، ما كشف عن فجوة كبيرة في القدرة على التعامل مع هذا النوع من الإصابات. من هنا، برزت الحاجة إلى إنشاء بنك متخصص لتخزين الجلد البشري، يُستخدم في علاج المصابين بحروق واسعة، باعتباره أحد أهم الوسائل الطبية لإنقاذ الحياة وتقليل التشوّه.
لكن ما بدأ كحاجة طبية عسكرية، تطوّر لاحقًا إلى منشأة توصف بأنها الأكبر من نوعها في العالم، من حيث حجم المخزون، وطبيعة الاستخدام، والقدرة على توفير كميات كبيرة من الجلد في وقتٍ قصير.
من حيث المبدأ، وجود بنك جلد ليس أمرًا استثنائيًا في العالم الطبي؛ فالكثير من الدول تمتلك بنوكًا للجلد تُستخدم في علاج ضحايا الحروق والحوادث. لكن ما يجعل الحالة الصهيونية مثيرة للجدل هو حجم هذا البنك، وطبيعة البيئة السياسية–العسكرية التي يعمل ضمنها، وتاريخ الاتهامات المرتبط بجثامين الشهداء الفلسطينيين، ما يجعل السؤال عن «المصدر» أكثر إلحاحًا من أي مكانٍ آخر.
بين الطب العسكري والاحتلال.. حين يصبح الجسد جزءًا من منظومة الحرب
في السياقات الطبيعية، يكون بنك الجلد جزءًا من منظومة صحية مدنية، تخضع لقواعد صارمة تتعلق بالتبرع، والموافقة، والشفافية، والرقابة. لكن في حالة كيان الاحتلال، يتداخل الطب العسكري مع منظومة أمنية–استيطانية، تجعل من كل ما يتعلق بالفلسطينيين محكومًا بعلاقة قوة غير متكافئة.
الجيش الصهيوني، الذي كان الدافع الأول لإنشاء بنك الجلد، هو نفسه الطرف الذي يسيطر على الأرض، ويحتك يوميًا بالسكان الواقعين تحت الاحتلال، ويملك سلطة واسعة على جثامين الشهداء، سواء في ساحات المواجهة أو في السجون أو على الحواجز. هذا التداخل بين «الجهة التي تحتاج» و«الجهة التي تسيطر على الجثامين» يفتح الباب واسعًا أمام أسئلة لا يمكن تجاهلها، حتى لو لم تُحسم قضائيًا بعد.
في هذا السياق، يصبح من الصعب فصل بنك الجلد عن منظومة أوسع من الممارسات التي طالت أجساد الفلسطينيين، أحياءً وأمواتًا. فالجسد هنا ليس مجرد موضوع طبي، بل هو موضوع سياسي وأمني وأخلاقي، يُستخدم أحيانًا كوسيلة ضغط، وأحيانًا كموضوع تفاوض، وأحيانًا كملف مغلق لا يُسمح بالاقتراب منه.
الاتهامات السابقة.. من سرقة الأعضاء إلى السيطرة على الجثامين
الجدل حول تعامل كيان الاحتلال مع أجساد الفلسطينيين ليس جديدًا. في عام 2009، نشرت صحيفة سويدية تقريرًا أثار عاصفة سياسية وإعلامية، تحدث عن انتزاع أعضاء من جثامين فلسطينيين قُتلوا على يد جيش العدو الصهيوني، دون موافقة عائلاتهم. في البداية، قوبل التقرير بحملة نفي واتهامات بـ«معاداة السامية»، لكن لاحقًا، اعترف مسؤولون صهاينة بأن أعضاءً، من بينها أعضاء أُخذت من فلسطينيين، قد تم انتزاعها دون موافقة عائلاتهم، وإن حاولوا التأكيد على أن ذلك كان جزءًا من ممارسة أوسع شملت صهاينة أيضًا.
هذا الاعتراف، ترك أثرًا عميقًا في الوعي الفلسطيني والعربي، ورسّخ قناعة بأن الجسد الفلسطيني ليس في مأمن حتى بعد الموت. ومع كل حالة تُسلَّم فيها جثامين شهداء بعد فترة احتجاز، وسط اتهامات بفقدان أعضاء أو تغييرات غير مفسَّرة، يتجدد السؤال: ماذا يحدث في الفترة بين الاستشهاد وتسليم الجثمان؟
في هذا المناخ، يصبح الحديث عن «أكبر بنك جلد في العالم» ليس مجرد معلومة طبية، بل جزءًا من سياق أوسع من الشكوك المتراكمة، التي تغذيها تجارب سابقة، وغياب تحقيقات دولية مستقلة، وتاريخ طويل من انعدام الثقة بالرواية الرسمية الصهيونية.
من أين يأتي كل هذا الجلد؟
حين يشير تقرير إلى أن بنك الجلد التابع لكيان الاحتلال هو الأكبر في العالم، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: من أين يأتي بكل هذه الكميات من الجلد البشري؟ في السياقات الطبية العادية، يكون المصدر الأساسي هو التبرع الطوعي، سواء من متبرعين أحياء (في حالات محدودة جدًا) أو من متوفين وافقت عائلاتهم على التبرع. لكن في حالة كيان الاحتلال، يصبح هذا السؤال أكثر تعقيدًا، لعدة أسباب متداخلة.
أولًا، هناك تاريخ موثق من انتزاع أعضاء من جثامين دون موافقة عائلات أصحابها، كما ظهر في اعترافات سابقة لمسؤولين في الطب الشرعي. ثانيًا، هناك سيطرة كاملة تقريبًا على جثامين الفلسطينيين الذين يُقتلون في ظروف مختلفة، سواء في المواجهات أو في السجون أو في عمليات القصف، حيث تُحتجز بعض الجثامين لفترات طويلة، ولا تُسلَّم إلا بعد ضغوط أو صفقات سياسية. ثالثًا، هناك غياب شبه كامل للشفافية في ما يتعلق بما يحدث للجثامين خلال فترة الاحتجاز، وعدم وجود آلية مستقلة للتحقيق أو الفحص قبل الدفن.
في ظل هذه المعطيات، يصبح من المشروع تمامًا طرح هذا السؤال: هل يمكن لبنك جلد بهذا الحجم أن يعتمد فقط على التبرع الطوعي؟ أم أن هناك مصادر أخرى، غير معلنة، مرتبطة بجثامين الفلسطينيين؟
أين تقف المنظومة الدولية من هذه الاتهامات؟
من الناحية القانونية، يخضع التعامل مع الجثامين والأعضاء البشرية لجملة من الاتفاقيات والمعايير الدولية، من بينها مبادئ منظمة الصحة العالمية، واتفاقيات حقوق الإنسان، والقواعد الخاصة بالتبرع بالأعضاء والأنسجة. هذه المعايير تشدد على ضرورة الحصول على موافقة مستنيرة، وعلى احترام كرامة المتوفى، وعلى منع أي شكل من أشكال الاتجار أو الاستغلال.
في حالة كيان الاحتلال، ورغم الاتهامات المتكررة، لم يُفتح حتى الآن تحقيق دولي شامل ومستقل يدرس ملف بنك الجلد، وعلاقته المحتملة بجثامين الفلسطينيين أو غيرهم من الضحايا. هذا الغياب لا يعني بالضرورة براءة، لكنه يعني أن هناك فراغًا قانونيًا ورقابيًا يسمح باستمرار الشكوك، ويعمّق فقدان الثقة في الرواية الرسمية.
المنظمات الحقوقية التي طالبت بتحقيقات مستقلة لم تلقَ حتى الآن استجابة كافية من المؤسسات الدولية ذات الصلة، سواء على مستوى الأمم المتحدة أو على مستوى الهيئات المتخصصة في الطب الشرعي وحقوق الإنسان. هذا الصمت، أو الاكتفاء ببيانات عامة، يُقرأ في الوعي الفلسطيني والعربي على أنه شكل من أشكال التواطؤ أو التجاهل، ويزيد من قناعة بأن حياة الفلسطيني، وجسده، وموته، لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام الذي يُمنح لضحايا آخرين في أماكن أخرى من العالم.
ختاماً قضية «أكبر بنك جلد بشري» في كيان الاحتلال ليست ملفًا طبيًا معزولًا، بل هي مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين قوة عسكرية تملك القرار، وشعب واقع تحت الاحتلال لا يملك حتى حق معرفة ما جرى لجثمان شهيده.