في هذه الأثناء، يبدو حضور المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، مجدداً في مشهد المفاوضات ذو أهمية مضاعفة، إذ يمكن أن يربط المسار السياسي للمفاوضات بالمسار الفني للرقابة والتحقق، وينقل العقد التي يدّعيها الطرف الأميركي من مستوى البيانات السياسية إلى آليات تنفيذية عملية. فإذا استطاعت طهران التوصل إلى تفاهم مستدام وموثوق مع الوكالة في المجالات الرقابية، فقد يشكل ذلك رافعة لتسهيل التسوية السياسية.
ومع ذلك، تبقى أرضية المفاوضات خاضعة للخطوط الحمراء التي حددتها إيران، ومنها استمرار التخصيب على الأراضي الإيرانية وعدم إخراج اليورانيوم المخصب. في المقابل، تؤكد واشنطن أن هاجسها يتمثل في منع انحراف البرنامج النووي الإيراني نحو أغراض عسكرية، وتجعل من ذلك محور مطالبها.
«لن نستسلم لأننا إيرانيون»
عشية الجولة الجديدة من المفاوضات في جنيف، عاد المشهد الإعلامي على جانبي النزاع إلى الاشتعال؛ من التكهنات حول النصوص المقترحة إلى مواقف يغلب عليها الطابع السياسي والهوياتي أكثر من التقني.
بدأت القصة بتصريحات المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى غرب آسيا، ستيف ويتكوف، في مقابلة تلفزيونية، حيث تحدث عن «فضول» ترامب تجاه سلوك إيران، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي يستغرب عدم استعداد الجمهورية الإسلامية للاستسلام رغم المعدات والترتيبات العسكرية المحيطة بها.
سرعان ما ردّت طهران على هذه التصريحات؛ إذ نشر عراقجي صورة للعلم الإيراني، وكتب مخاطباً ترامب: «هل أنتم فضوليون لمعرفة لماذا لا نستسلم؟ لأننا إيرانيون».
تزايد الدعم الدولي لمسار التفاوض
بالتوازي مع تصاعد الحراك الدبلوماسي بين طهران وواشنطن، برز دعم أوضح من أطراف دولية لمسار الحوار، ما يعكس تحوّل القلق من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية إلى هاجس مشترك في عواصم عدة.
في بروكسل، وصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاديا كالاس، الوضع الإيراني بأنه حساس للغاية، محذّرة قبل اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد من أن المنطقة لا تحتمل حرباً أخرى. وأكدت أن الحل الدبلوماسي هو السبيل الوحيد للخروج من الوضع الراهن، وأن أوروبا مستعدة للمساعدة.
وفي موسكو، شددت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، على أن بلادها تواصل دعم حلفائها، ومنهم إيران، ضمن أطر المعاهدات والدبلوماسية النشطة والحضور في المنظمات الدولية.
إقليمياً، تستمر الاتصالات الدبلوماسية؛ فقد بحث وزيرا خارجية إيران وعُمان ترتيبات الجولة الجديدة. كما أكد وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، في اتصال مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، دعم بغداد للمسار الدبلوماسي وأمله في التوصل إلى نتائج تعزز استقرار المنطقة.
تحذيرات الديمقراطيين من مواقف ترامب المتشددة
داخل الولايات المتحدة وبالتوازي مع بعض مواقف ترامب الحادة، حذّر ديمقراطيون في الكونغرس من أي تحرك عسكري أحادي الجانب. فقد أكد السيناتو الديمقراطي واسرمن شولتز، في تصريحات له، أنه لا توجد مؤشرات على تهديد وشيك يبرر هجوماً واسعاً، وأن على الرئيس التشاور مع الكونغرس.
كما ذكّر بأن إعلان الحرب من صلاحيات الكونغرس، ولا يمكن للإدارة اتخاذ إجراء عسكري من دون تفويض ممثلي الشعب، فيما وصف السناتور الحرب بأنها «خطأ استراتيجي» قد يؤدي إلى نزاع خارج السيطرة.
وفي السياق ذاته، رأى الرئيس الأسبق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ريتشارد هارس، أن الهدف من الحشد العسكري الواسع حول إيران غير واضح، محذراً من أن تصعيد التوتر قد يدفع إيران إلى استهداف القوات الأميركية أو “إسرائيل” أو الملاحة في مضيق هرمز؛ وهو سيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط على الاقتصاد الأميركي.
وهكذا، بينما تستعدّ جنيف لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات، يبدو المشهد الدولي أكثر إصراراً من أي وقت مضى على ضرورة الدبلوماسية؛ إذ إن كلفة الحرب، سواء على المنطقة أو على القوى خارجها، أثقل بكثير من أن يمكن التغاضي عنها بسهولة.