الأمن المُستعار للمشيخات العربية: مسارٌ انتهى بانعدام الأمن

الأمن المُستعار ليس فقط غير مستدام، بل قد يتحول إلى عاملٍ لانعدام الأمن في الأزمات الحقيقية، وهذا برز بوضوح بالنسبة للدول العربية خلال الحرب الصهيوالامريكية على ايران.

وکالة مهر للأنباء- كشفت التطورات الأخيرة في الخليج الفارسي، لا سيما في ظل الحرب مع إيران، عن حقيقة استراتيجية: أن الأمن المُستعار ليس فقط غير مستدام، بل قد يتحول إلى عاملٍ لانعدام الأمن في الأزمات الحقيقية. إن النموذج الأمني الذي اتبعته بعض الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي لعقود، والمتمثل في الاعتماد على قوى أجنبية لضمان البقاء، يُختبر الآن اختبارًا جادًا، وقد ظهرت دلائل واضحة على عدم فعاليته.

لسنوات طويلة، لم تُعرّف هذه الدول أمنها على أساس القدرات المحلية أو التعاون الإقليمي، بل على أساس علاقات عسكرية وسياسية واقتصادية متينة مع قوى مثل الولايات المتحدة. واعتُبر إنشاء قواعد عسكرية أجنبية، وشراء كميات كبيرة من الأسلحة، والتوافق مع السياسات الإقليمية لهذه القوى، ركائز هذا النهج. للوهلة الأولى، بدا هذا وكأنه مقايضة منطقية: الأمن مقابل المال والنفوذ. لكن ما تم تجاهله هو عدم استقرار هذه التبعية.

الحقيقة هي أن الأمن ليس سلعة يمكن استيرادها أو شراؤها. الأمن عملية داخلية متعددة المستويات تتطلب توازناً بين القوة الداخلية والشرعية السياسية والتفاعل الإقليمي. وعندما يُزال أحد هذه الجوانب، يضطرب النظام الأمني، كما يتضح جلياً اليوم في الخليج الفارسي.

ظهرت أولى بوادر هذا الخلل في حرب اليمن. فالتحالف الذي دخل المعركة متسلحاً بفكرة التفوق العسكري والدعم الخارجي لم يفشل في تحقيق أهدافه فحسب، بل واجه أيضاً تحديات جسيمة من جهة غير متكافئة. وقد بعثت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة في عمق أراضي السعودية والإمارات برسالة مفادها أن التفوق العسكري التقليدي لا يضمن الأمن. والأهم من ذلك، أن الرد المحدود من الجهات الداعمة الخارجية، لا سيما على الهجمات الكبرى كاستهداف المنشآت النفطية، أظهر مدى هشاشة ومحدودية مفهوم “المظلة الأمنية”.

لكن الحرب الأخيرة ضد إيران تُعدّ نقطة تحول تتجاوز هذه التجارب. فهذه الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل هي اختبار بنيوي للنموذج الأمني المُستعار. الدول التي ظنت أنها نأت بنفسها عن الخطر باستضافة قواعد عسكرية أجنبية والمشاركة في تحالفات عسكرية، تواجه اليوم واقعاً مختلفاً: فقد جعلها هذا الوجود وهذه المشاركة جزءاً من معادلة الصراع.

في حالة استخدام قواعد عسكرية أجنبية كمصدر أو دعم لعمليات ضد إيران، فمن الطبيعي أن تكون هذه القواعد والدولة المضيفة لها ضمن دائرة الرد. هذه قاعدة بديهية في منطق الردع والمواجهة العسكرية. ببساطة، عندما تُتيح دولة ما أراضيها لعمليات ضد دولة أخرى، فإنها عملياً تُخرج نفسها من موقف “الحياد” وتصبح طرفاً في الصراع.

من هذا المنظور، فإن ما تواجهه بعض دول الخليج الفارسي اليوم ليس تهديداً عشوائياً، بل نتيجة مباشرة لخياراتها الاستراتيجية. إن التحول من فاعل هامشي إلى هدف محتمل هو النتيجة الطبيعية للمشاركة في صراع. هذه هي مفارقة الأمن المُستعار: الأداة التي كان من المفترض أن تُحقق الأمن، في ظروف معينة، تُصبح هي نفسها مصدراً لانعدام الأمن.

في غضون ذلك، ثمة نقطة جديرة بالدراسة المتأنية، وهي طبيعة سلوك إيران في هذه المعادلة. خلافًا لبعض الروايات الإعلامية، استند نهج إيران على مدى العقود الماضية بشكل أساسي إلى الدفاع والردع. لم تبدأ إيران حربًا ضد دول المنطقة، وفي كثير من الأحيان حددت ردود أفعالها في سياق الاستجابة للتهديدات. ولذلك، فإن دخول بعض الدول في معادلة المواجهة كان نتيجةً للتوافق مع سياسات عابرة للأقاليم، وليس بسبب تهديد مباشر.

تكمن أهمية هذه النقطة في أنها تُظهر أن إمكانية اختيار مسارات مختلفة كانت ولا تزال قائمة. كان بإمكان الدول المُعرّضة للخطر اليوم تجنّب هذا الوضع من خلال تبنّي سياسات أكثر توازنًا. بعبارة أخرى، يُعدّ انعدام الأمن الحالي نتاجًا لسياسات الأمس إلى حد كبير.

من جهة أخرى، أبرز سلوك القوى الأجنبية هذه الحقيقة أيضًا. تُظهر ردود فعل هذه القوى المحدودة والمحسوبة والانتهازية أن التزاماتها الأمنية ليست مطلقة. في حالة تزايد تكاليف النزاع، تميل هذه الجهات إلى تجنّب التدخل المباشر أو السيطرة على مستوى النزاع. هذا في حين تتحمّل دول المنطقة التكاليف المباشرة الأكبر.

تُعدّ هذه الفجوة بين “التوقعات الأمنية” و”الواقع العملي” من أبرز نقاط ضعف الأمن المُستعار. فالدول التي حدّدت أمنها بناءً على الدعم الخارجي تواجه تساؤلاً حول مدى إمكانية الاعتماد على هذا الدعم في أوقات الأزمات. وتُشير التجارب الحديثة إلى أن الإجابة على هذا التساؤل ليست مُبشّرة.

علاوة على ذلك، فإن التكاليف الاقتصادية لهذا النموذج باهظة. فإنفاق مئات المليارات من الدولارات على شراء الأسلحة والبنية التحتية العسكرية يبدو منطقياً عندما تُفضي هذه الاستثمارات إلى تعزيز حقيقي للأمن. ولكن عندما تبقى البنية التحتية هشة وتستمر التهديدات، يبرز التساؤل جدياً حول العائد على هذه التكاليف.

في مثل هذه الظروف، لا يُعدّ العودة إلى مفهوم “الأمن الداخلي” خياراً، بل ضرورة. فالأمن الداخلي لا يعني قطع العلاقات مع العالم، بل خلق توازن؛ توازن بين التعاون الخارجي والاعتماد الداخلي. ويتطلب هذا النهج تعزيز القدرات الدفاعية المحلية، وزيادة التماسك الاجتماعي، والأهم من ذلك، إعادة صياغة العلاقات الإقليمية. يتطلب هذا النهج تعزيز القدرات الدفاعية المحلية، وزيادة التماسك الاجتماعي، والأهم من ذلك، إعادة تعريف العلاقات الإقليمية.

إضافةً إلى ذلك، يكتسب مفهوم “الأمن الإقليمي” أهمية خاصة. فقد أثبتت التجارب أنه لا يمكن لأي دولة في الشرق الأوسط أن تُحقق أمنًا مستدامًا بمفردها. فالتهديدات عابرة للحدود بطبيعتها، ومواجهتها تتطلب تعاونًا إقليميًا. وفي هذا السياق، يُمكن أن يكون تخفيف التوترات والتوجه نحو آليات أمنية مشتركة بديلًا عن التنافس المكلف والمواجهات الخطيرة.

من الواضح أن هذا المسار يواجه تحديات جسيمة؛ من انعدام الثقة التاريخي إلى الاختلافات السياسية والأيديولوجية. لكن الاستمرار على المسار الحالي سيُكبّدنا تكاليف باهظة. إن الاختيار بين هذين المسارين هو في نهاية المطاف قرار استراتيجي سيُحدد مستقبل المنطقة.

ختامًا، مثّلت التطورات الأخيرة في الخليج الفارسي نهاية وهم: وهم إمكانية شراء الأمن وضمانه من الخارج. فقد أظهر الواقع على أرض الواقع أن هذا النهج ليس غير مستدام فحسب، بل يُمكن أن يُعرّض الدول لتهديدات جديدة.

تقف دول الخليج الفارسي اليوم عند مفترق طرق. بإمكانها الاستمرار في الإصرار على مسار التبعية والأمن المستمد من مصادر خارجية، وقبول مخاطره، أو بإمكانها إعادة النظر في سياساتها والتحول نحو نماذج أمنية محلية وإقليمية. في عالم تتغير فيه معادلات القوة بسرعة، ربما يكون الدرس الأهم هو أن الأمن الحقيقي لا يكمن في ظل الآخرين، بل في قدرة كل دولة على تحديده وتوفيره.

المصدر: وكالة مهر