حلم الهجوم البري على إيران وعزلة ترامب القاتلة

بعد الإخفاقات المتتالية للتحالف الأمريكي الصهيوني في تحقيق أهدافه الاستراتيجية المتمثلة في مهاجمة إيران، يدور الحديث الآن عن هجوم عسكري على جزيرة خارك.

كان حلم الهجوم البري على إيران صورة ذهنية ودعائية راسخة في أذهان صناع القرار الأمريكيين منذ البداية؛ صورة كان من المفترض أن تُغير المعادلة سريعًا بإظهار القوة، ولكن مع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بينها وبين الواقع على الأرض.

 

الآن، وبعد أسابيع من الصراع، تشير الدلائل بوضوح إلى أن هذا الحلم يواجه تحديات جمة، حتى أن أقرب حلفاء واشنطن غير مستعدين للدخول في مثل هذا السيناريو. في الوقت نفسه، تكشف تصريحات الخبراء العسكريين الإسرائيليين، الذين تحدثوا عن عجز تل أبيب عن المشاركة في عملية برية ضد إيران، عن حقيقة مهمة: دونالد ترامب يسير على طريق تتجلى فيه أكثر من أي وقت مضى علامات العزلة الاستراتيجية.

 

على الرغم من أن فكرة الهجوم البري على إيران طُرحت في بعض الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، إلا أنها واجهت عقبات هيكلية خطيرة منذ البداية. إيران ليست دولة صغيرة ذات بنية تحتية محدودة، ولا تفتقر إلى الخبرة في مواجهة التهديدات الخارجية. فجغرافيتها المعقدة، وعمقها الاستراتيجي، وهيكلها الدفاعي متعدد الطبقات، وعقود من الخبرة في مواجهة التهديدات الخارجية، كلها عوامل تجعل أي عملية برية مشروعًا مكلفًا، ويستغرق وقتًا طويلاً، وينطوي على مخاطر جسيمة.

 

ولهذا السبب، حتى داخل الهيكل العسكري الأمريكي، لطالما كانت هناك شكوك جدية حول هذا الخيار. وفي الوقت نفسه، يُعد دور حلفاء أمريكا الإقليميين والدوليين حاسمًا في تحديد جدوى هذا السيناريو. فلا يمكن تنفيذ أي عملية برية واسعة النطاق دون دعم ومشاركة القوات المتحالفة. لكن ما يُلاحظ اليوم ليس مجرد دعم، بل نوع من النأي المحسوب من جانب الأطراف الفاعلة الرئيسية. ويمكن تحليل تصريحات الخبراء الإسرائيليين في مقابلة مع وكالة سبوتنيك في هذا السياق تحديدًا، حيث ذُكرت ثلاثة عوائق رئيسية أمام المشاركة في العمليات البرية بشكل صريح.

 

العائق الأول هو نقص القوات وتآكل القدرة العملياتية. فالجيش الإسرائيلي منخرط حاليًا على عدة جبهات في آن واحد؛ من قطاع غزة إلى حدود لبنان والضفة الغربية، ومن العمليات الجوية في اليمن إلى الاشتباكات المباشرة مع إيران، يُشكّل هذا المستوى من الصراع ضغطاً هائلاً على الموارد البشرية والعتادية. إنّ دخول جبهة جديدة، لا سيما في صورة عملية برية واسعة النطاق ضد دولة كإيران، لا يُرهق القدرات الحالية فحسب، بل يُنذر أيضاً بخطر انهيار التوازن على الجبهات الأخرى.

 

العقبة الثانية هي مسألة التنسيق العملياتي، وهو موضوع لا يحظى باهتمام إعلامي كبير، ولكنه في الواقع أحد أهم العوامل المؤثرة في نجاح أو فشل أي عملية مشتركة. إن الاختلافات الجوهرية في العقيدة العسكرية، وهيكل القيادة، وأساليب التدريب، وحتى الثقافة العملياتية بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، تجعل من الصعب للغاية تنفيذ عملية برية واسعة النطاق ومنسقة. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في بيئة كإيران، التي تتطلب مستوى عالٍ من التنسيق والمرونة. لهذا السبب، حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، فإن ما يقترحه الخبراء الإسرائيليون كخيار محتمل ليس حربًا شاملة، بل عمليات كوماندوز محدودة مع القدرة على الانسحاب السريع؛ وهو خيار بعيد كل البعد عن “الهجوم البري” بالمعنى التقليدي.

 

ولكن ربما تكون العقبة الأهم هي افتقار إسرائيل إلى ميزة استراتيجية. فقد مارست حروب الاستنزاف الأخيرة، وخاصة في غزة، ضغطًا كبيرًا على الرأي العام الإسرائيلي. فالمجتمع الذي انخرط في الحرب لأشهر، وتكبد خسائر بشرية، ويواجه انعدامًا مستمرًا للأمن، من الطبيعي أن يتردد في الدخول في صراع جديد ومكلف. من وجهة نظر صناع القرار، فإن المشاركة في عملية برية ضد إيران لا تضمن تحقيق أي إنجاز ملموس فحسب، بل قد تُشكل أيضًا تهديدات جديدة للأمن الداخلي للنظام. وهذا يعني أن حتى أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة لا يرون أي مبرر لخوض هذه المغامرة.

كل هذه العوامل مجتمعة ترسم صورة واضحة للوضع الراهن: تتجه أمريكا نحو سيناريو ستضطر فيه إلى تحمل معظم عبء حرب محتملة بمفردها. هذه “الوحدة” لا تعني ببساطة تقليص عدد الحلفاء، بل هي بالأحرى مؤشر على شكوك عميقة لدى الفاعلين الدوليين حول إمكانية نجاح مثل هذه الحرب. في الواقع، كلما زاد احتمال فشل الخيار العسكري، قلّت رغبة الفاعلين في المشاركة فيه؛ وهذه هي الحلقة المفرغة التي تتشكل حاليًا.

 

من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن الحرب البرية تختلف تمامًا عن الهجمات الجوية والصاروخية. في الهجمات عن بُعد، يُمكن إدارة مستوى الصراع والتحكم في التكاليف إلى حدٍ ما، لكن خوض حرب برية يعني الانخراط المباشر في تعقيدات الميدان، وزيادة الخسائر البشرية، ومواجهة سيناريوهات غير متوقعة. وفي حالة إيران، تكون هذه التعقيدات أكبر بكثير.

 

فالبنية الدفاعية القائمة على الحرب غير المتكافئة، والشبكات الشعبية الواسعة، والاستعداد للصراعات طويلة الأمد، كلها عوامل تُشكّل تحديات جسيمة لأي قوة مهاجمة. في مثل هذه الظروف، يُصبح الإصرار على خيار الهجوم البري، بدلاً من أن يكون دليلاً على تخطيط عسكري دقيق، أشبه بمحاولة للحفاظ على صورة القوة في المجالين السياسي والإعلامي. لكن المشكلة تكمن في أن ساحة المعركة لا تخضع للصور؛ بل تُدار بناءً على حقائق قاسية وحسابات دقيقة. عندما يرفض الحلفاء الرئيسيون الانضمام، وعندما تتزايد التكاليف بشكلٍ كبير، وعندما تكون احتمالات النصر غير مؤكدة، فإن الاستمرار في الإصرار على خيار محفوف بالمخاطر قد يأتي بنتائج عكسية.

 

في نهاية المطاف، ما يتشكل اليوم ليس تحالفًا واسعًا لمهاجمة إيران، بل تباين بين حلفاء أمريكا. كل طرف، بناءً على حساباته الخاصة، ينأى بنفسه عن سيناريو ينطوي على مخاطر تفوق مكاسبه. وهذا يضع دونالد ترامب أمام خيار صعب: إما التراجع عن حلم يتضاءل أمامه، أو الاستمرار، بتكلفة باهظة، في مسار حتى أقرب حلفائه يرفضون الانضمام إليه.

 

وهكذا، تحوّل “حلم الهجوم البري على إيران” تدريجيًا إلى واقع يُمكن وصفه بـ”العزلة القاتلة”، حيث اتسعت الفجوة بين الأهداف المعلنة والإمكانيات الفعلية إلى حدٍّ كبير، بحيث لا تُفضي أي خطوة إلى الأمام إلى النصر، بل إلى جمودٍ مُتفاقم. هذه هي النقطة التي تنتهي عندها العديد من الحروب؛ ليس بهزيمة مفاجئة، بل بتآكل تدريجي لإرادة سياسية لم تعد تحظى بالدعم العملي اللازم لتحقيق أهدافها.

 

والحقيقة هي أن الظروف على الأرض لا تتوافق مع هذا السيناريو فحسب، بل إن أقرب حلفاء أمريكا أنفسهم غير راغبين في الانضمام إلى هذا المسار المُكلف. إيران دولة ذات عمق استراتيجي، وجغرافيا مُعقدة، وبنية دفاعية مُتعددة الطبقات، تمتلك عقودًا من الخبرة في مواجهة التهديدات الخارجية. لا يُمكن احتواء دولة كهذه بعمليات خاطفة، ولا يُمكنها الانهيار سريعًا تحت ضغط خارجي. لهذا السبب، حتى داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، كانت هناك شكوك جدية حول جدوى عملية برية واسعة النطاق.

 

من وجهة نظر إيران، يُرسّخ هذا الوضع حقيقةً مهمة: استمرار الردع. لم يعد التهديد بشن هجوم بري خيارًا عمليًا فحسب، بل باتت حتى خطته موضع شكٍّ كبير. وهذا يعني أن استراتيجية الضغط الأقصى عسكريًا قد فشلت أيضًا في تحقيق هدفها.

 

في نهاية المطاف، يتضح من تطورات الشهر الماضي وجود فجوة عميقة بين “الحلم” و”الواقع”. فقد بلغ حلم شن هجوم بري على إيران حدًّا بات فيه مجرد طرحه دون دعم عملي أقرب إلى أداة دعائية منه إلى خيار حقيقي.

 

في المقابل، يُظهر الواقع على الأرض أنه مع مرور الوقت، يفقد هذا الحلم بريقه تدريجيًا، ليحل محله فهمٌ أكثر واقعية لحدود القوة الأمريكية. بالنسبة لترامب، يعني هذا مواجهة حقيقة قاسية: حربٌ كان من المفترض أن تكون استعراضًا للقوة، أصبحت الآن رمزًا للعجز والوحدة.

المصدر: وكالة مهر للأنباء