مدينة احتضنت المنفيين وصنعت الأمل

جيرفت.. من مهد الحضارة إلى ذاكرة النفي والمقاومة

تُعد مدينة جيرفت الواقعة في جنوب محافظة كرمان من أقدم المدن التاريخية في إيران، حيث تمتد جذورها إلى العصور القديمة، وهي مهد حضارة جيرفت التي تُصنَّف ضمن أقدم الحضارات الإنسانية وأكثرها غموضًا وأهمية في المنطقة.

 

تُعد مدينة جيرفت الواقعة في جنوب محافظة كرمان من أقدم المدن التاريخية في إيران، حيث تمتد جذورها إلى العصور القديمة، وهي مهد حضارة جيرفت التي تُصنَّف ضمن أقدم الحضارات الإنسانية وأكثرها غموضًا وأهمية في المنطقة.

 

وتحتضن المدينة مجموعة من الاكتشافات الأثرية المهمة، من بينها النقوش والكتابات البارزة التي تم العثور عليها في مواقع مختلفة، والتي تُعد اليوم من أبرز المعالم السياحية في جيرفت، وتشكل دليلاً واضحًا على التطور الحضاري والدقة الفنية التي ميزت تلك الحضارة العريقة.

 

وبالإضافة إلى إرثها التاريخي الغني، تتميز جيرفت بطبيعة خلابة ومتنوعة؛ إذ تمنحها بساتين النخيل الكثيفة، وحدائق الحمضيات العطرة، والأنهار الجارية، والجبال الشاهقة، طابعًا فريدًا يجعلها وجهة مثالية لمحبي الطبيعة والاستكشاف.

 

وتُعرف جيرفت بأنها «اللؤلؤة غير المكتشفة» في جنوب إيران، حيث تقع وسط صحراء لوت في محافظة كرمان، وتبعد نحو 670 كيلومترًا عن مركز المحافظة، كما تتمتع بموقع استراتيجي مهم عند تقاطع طرق الاتصال في جنوب شرق البلاد.

 

 

* رحلة إلى أعماق التاريخ الإيراني

 

 

يُعد الموقع الأثري لجيرفت من أهم المعالم السياحية في المنطقة، إذ يقع بالقرب من المدينة، ويشكّل القلب النابض لحضارة جيرفت، إحدى أكثر الحضارات القديمة غموضًا وأقلها اكتشافًا حتى اليوم.

 

ويعود تاريخ هذا الموقع إلى أكثر من 5000 عام، حيث كشفت أعمال التنقيب فيه عن بقايا منازل ومعابد وشوارع وأنظمة متقدمة لتوزيع المياه، ما يعكس مستوى متقدمًا من التخطيط العمراني والدقة الهندسية لدى سكان تلك الحضارة.

 

كما تم العثور على مجموعة واسعة من اللقى الأثرية، تشمل الأواني الفخارية، والتماثيل، والحُلي، والأختام، وأدوات متنوعة تعكس الحياة اليومية لسكان تلك الحقبة.

 

وتُعد النقوش والرسوم المكتشفة في الموقع من أقدم أشكال الكتابة والنقش في العالم، حيث تظهر على الحجر والفخار، وتُجسّد مشاهد للإنسان والحيوان والنبات، إلى جانب رموز وأشكال متعددة تعكس ثراء الفكر الفني والثقافي آنذاك.

 

وتتيح هذه المكتشفات للباحثين والزوّار فرصة فريدة لفهم أعمق لثقافة وفن وعادات ومعتقدات هذه الحضارة العريقة.

 

 

* من طهران إلى جيرفت.. حكايات المنفى والصمود

 

 

يروي القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) جانبًا من ذكرياته في مدينة جيرفت، مشيرًا إلى أن أوضاع الحكم في طهران ومدينة قم المقدسة وسائر المدن الكبرى كانت مضطربة للغاية، وأن وجود المنفيين في المدن الصغيرة قد حوّل البلاد بأكملها إلى حالة ثورية متصاعدة. وأضاف أن الحكومة لم تجد حلًا سوى تغيير أماكن النفي، ظنًا منها أن نقلهم إلى بيئات غير مألوفة سيحدّ من نشاطهم.

 

* جيرفت في ذاكرة النفي والمقاومة

 

في هذا السياق، جرى نقل عدد من الشخصيات المنفية ضمن قرارات مختلفة، حيث نُقل حجة الإسلام راشد يزدي إلى إيذه، وحجة الإسلام فخرالدين رحيمي إلى أقليد، فيما تم نقل الإمام الشهيد إلى جيرفت. ويصف سماحته تلك المرحلة قائلًا:

 

في أحد أيام الصيف الحارة دخلتُ مدينة جيرفت برفقة عناصر من جهاز القمع البهلوي المقبور، دون أن أكون على معرفة بأي أحد في المدينة. وعند الوصول، أرشدني رجال الأمن إلى مركز شرطة جيرفت، وبهذه الصورة دخلت المدينة. لكن لم تمضِ أيام قليلة حتى شعرت أنني بين أهلي وإخوتي وأحبّائي.

 

ويضيف أن الأوضاع في البلاد كانت تشهد تحولات متسارعة، بينما كان مسؤولو النظام منشغلين باضطرابات العاصمة إلى درجة أفقدتهم السيطرة على بقية المدن.

 

* أول صرخة احتجاج.. حين انطلقت الشعارات من قلب النساء

 

كانت جيرفت مدينة صغيرة ذات شوارع محدودة، لكنها كانت، بحسب الوصف، مليئة بالمحبة والصفاء. وخلال شهر رمضان وفي أجواء الصيف الحار، كان مسجد جامع في جيرفت يستقطب أعدادًا كبيرة من النساء والرجال الراغبين في سماع الحقائق من أفواه طلاب العلوم الدينية المنفيين.

 

وقد ألقى سماحته عدة خطب في تلك الليالي داخل مسجد جامع، رغم محاولات قوات النظام البهلوي لمنع النشاطات، إلا أن إصرار الناس ونشاطهم كان يتجاوز تلك القيود.

 

واللافت في تلك المرحلة أن أول شعار ثوري وأول صرخة احتجاج ضد النظام البهلوي المقبور انطلقت من خلف الستار في القسم الذي كانت تجلس فيه النساء، في مشهد اعتُبر بداية لمرحلة جديدة من التعبير الشعبي.

 

* منفى يتحول إلى شبكة فكرية وثورية

 

احتضنت جيرفت عددًا من العلماء والشخصيات المنفية، حيث تم نقل العديد منهم من أماكن نفي سابقة إلى المدينة، بعضهم قبل وصول الإمام الشهيد، وبعضهم بعد استقراره فيها.

 

ومن بين هؤلاء، نُقل السيد عبد الرحيم رباني شيرازي من سردشت إلى جيرفت بقرار من لجنة الحفاظ على الأمن الاجتماعي في قم المقدسة. كما حددت اللجنة المدينة كمكان نفي لعدد من العلماء، من بينهم: حسين نوري همداني، محمد يزدي، محمد جواد حجتي كرماني، ناصر مكارم شيرازي، محمد علي غرامي، عبد المجيد معادي‌خواه، الحاج قاسم دخيلي، حسين سليماني، وغلام حسين خردمند.

 

وفي تلك الفترة، أصبحت جيرفت تُعرف بأنها إحدى أبرز محطات نفي نشطاء الحركة الإسلامية، حيث ضمت سبعة من رجال الدين واثنين من الكسبة، وسط تغير واضح في الأجواء السياسية والاجتماعية للمدينة.

 

* ردود فعل السلطات ومحاولات نقل المنفيين

 

في جيرفت كان النظام يفرض قيودًا شديدة على الناس، وكان السكان يخشون تأجير بيوتهم للمنفيين. وكان المنفيون الجدد عند وصولهم يقيمون في نفس المنزل الذي كان يقيم فيه قائد الأمّة وعبد الرحيم رباني املشي وسائر المنفيين.

 

أدى الحضور النشط للمنفيين إلى أن يصل الرائد فلاحي، رئيس شرطة جيرفت، إلى نتيجة مفادها أن استمرار إقامتهم في المنطقة أصبح خطيرًا، ويؤدي إلى الإخلال بالنظام والراحة العامة. فطلب من حاكم المدينة تغيير مكان الإقامة الإجباري للمنفيين في أقرب وقت ممكن. وكان استدلاله أن أهالي جيرفت، الذين تم إبعادهم عن الوعي السياسي والاجتماعي والديني، قد يتم تحريضهم من قبل رجال الدين المنفيين الذين ظهروا في هذه المدينة، مما قد يؤدي إلى وقوع أحداث غير مرغوبة.

 

وفي السياق ذاته، واصل القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي (رض) مراسلاته من جيرفت مع آية الله صدوقي، والتي تناولت قضايا مهمة، من بينها حادثة حريق سينما ركس في آبادان ومجازر النظام البهلوي عام 1978م، في وقت كانت فيه مؤشرات انهيار النظام تتزايد بشكل واضح.

 

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة