عزلة دولية متزايدة

انهيار متسارع في علاقات أوروبا بكيان الاحتلال.. خسارة الحلفاء وتقييد التعاون العسكري

حين تُعلن محاكم أوروبية أن صادرات السلاح إلى كيان الاحتلال قد تُستخدم في ارتكاب جرائم حرب، فإن ذلك يُشكّل اعترافاً ضمنياً بشرعية المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال

التحولات الأوروبية الأخيرة في العلاقة مع الاحتلال الصهيوني، سواء عبر تعليق صادرات السلاح أو مراجعة التعاون الدفاعي، ليست مجرد تفاصيل سياسية عابرة، بل هي انعكاس مباشر لتصاعد الغضب الشعبي والحقوقي في القارة العجوز تجاه جرائم الاحتلال في غزة ولبنان. هذه التحولات، وإن بدت متباينة بين العواصم الأوروبية، تحمل دلالات عميقة على مسار المقاومة الفلسطينية، وتفتح أمامها فرصاً جديدة لتعزيز شرعيتها وكسب المزيد من الدعم الدولي، في الوقت الذي تظل فيه التحديات قائمة بفعل استمرار الدعم الأميركي وتمايز المواقف داخل أوروبا.

 

المقاومة في قلب المشهد الدولي

 

منذ حرب غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أصبحت المقاومة الفلسطينية عنواناً رئيسياً في الإعلام العالمي. صور المجازر والدمار، والتقارير الحقوقية التي فضحت الاحتلال، جعلت من المقاومة رمزاً للصمود في مواجهة آلة عسكرية مدعومة غربياً. ومع بدء بعض الدول الأوروبية في مراجعة تعاونها الدفاعي مع كيان الاحتلال، بدا أن المقاومة نجحت في فرض معادلة جديدة: الاحتلال لم يعُد قادراً على ممارسة جرائمه من دون أن يدفع حلفاؤه ثمناً سياسياً وأخلاقياً.

 

البُعد العسكري.. تقليص هامش التفوق الصهيوني

 

تعليق بعض الدول الأوروبية لتصدير الأسلحة أو مراجعة رخص التعاون الدفاعي ينعكس بشكلٍ مباشر على قدرات الاحتلال العسكرية. صحيح أن كيان الاحتلال ما يزال يعتمد بشكلٍ أساسي على الدعم الأميركي، لكن أي تراجع في الإمدادات الأوروبية يحدّ من هامش تفوقه النوعي. هذا يفتح أمام المقاومة الفلسطينية فرصةً لتعزيز قدرتها على الصمود، ويمنحها مساحة زمنية أطول لمراكمة الخبرات وتطوير أدواتها الدفاعية، في ظل تراجع نسبي في تدفق الأسلحة المتطورة إلى الاحتلال.

 

البُعد السياسي.. شرعية المقاومة في مواجهة الاحتلال

 

التحولات الأوروبية تحمل أيضاً بعداً سياسياً بالغ الأهمية. حين تُعلن محاكم أوروبية أن صادرات السلاح إلى كيان الاحتلال قد تُستخدم في ارتكاب جرائم حرب، فإن ذلك يُشكّل اعترافاً ضمنياً بشرعية المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال. هذا الاعتراف، ولو غير المباشر، يساهم في تعزيز صورة المقاومة كحركة تحرر وطني، ويضعف رواية الاحتلال التي طالما حاولت تصويرها كـ«إرهاب».

 

الدعم الشعبي الأوروبي للقضية الفلسطينية

 

التحولات الأوروبية في العلاقة مع الاحتلال الصهيوني لا يمكن فهمها من دون النظر إلى دور الرأي العام الشعبي. فالمظاهرات التي اجتاحت العواصم الأوروبية منذ حرب غزة، والضغط المتزايد على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر توازناً، شكّلت عاملاً أساسياً في دفع بعض الدول إلى مراجعة تعاونها الدفاعي مع كيان الاحتلال. هذا الدعم الشعبي، الذي بدأ إنسانياً متأثراً بصور المجازر والضحايا، أخذ يتطور تدريجياً نحو موقف سياسي أكثر وضوحاً، يطالب بوقف التواطؤ مع الاحتلال ويمنح المقاومة الفلسطينية شرعية إضافية في الساحة الدولية.

 

الشارع الأوروبي.. من الصدمة إلى الفعل

 

مع بداية الحرب على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، خرج مئات الآلاف من المتظاهرين في لندن وباريس وبرلين ومدريد وروما، رافعين شعارات تدين جرائم الاحتلال وتطالب بوقف الدعم العسكري له. هذه الموجة الشعبية لم تكن مجرد تعبير عاطفي، بل تحولت إلى ضغط سياسي مباشر على الحكومات، التي وجدت نفسها أمام مأزق أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله.

 

الإعلام والحقوقيون.. فضح جرائم الاحتلال

 

وسائل الإعلام الأوروبية، إلى جانب المنظمات الحقوقية، لعبت دوراً محورياً في نقل صورة المأساة الفلسطينية إلى الرأي العام. تقارير موثقة عن استهداف الأطفال والمستشفيات والبُنية التحتية في غزة، جعلت من الصعب على الحكومات الاستمرار في تبرير تعاونها مع كيان الاحتلال. هذا التوثيق عزز من قوة الخطاب الشعبي، وأعطى المظاهرات زخماً إضافياً، بحيث لم تعُد مجرد احتجاجات عاطفية بل حركة سياسية قائمة على أدلة دامغة.

 

 

من التعاطف إلى الضغط السياسي

 

في المحصلة، لم يتوقف الدعم الشعبي الأوروبي عند حدود التعاطف الإنساني، بل تطور إلى ضغط سياسي منظم. أحزاب يسارية وخضراء في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا تبنت مطالب الشارع، ودفعت باتجاه مراجعة صادرات السلاح إلى كيان الاحتلال. هذا التلاقي بين الشارع والقوى السياسية خلق بيئة جديدة أجبرت الحكومات على اتخاذ خطوات، ولو محدودة، نحو تقييد التعاون الدفاعي مع الاحتلال.

 

انعكاسات الدعم الشعبي على المقاومة الفلسطينية

 

هذا الدعم الشعبي الأوروبي ينعكس بشكلٍ مباشر على المقاومة الفلسطينية في عدة مستويات، أولاً شرعية سياسية فحين يطالب الشارع الأوروبي بوقف تسليح الاحتلال، فإنه يعترف ضمنياً بحق الفلسطينيين في مقاومته، ثانياً ضغط على الحكومات، فالمقاومة تستفيد من هذا الضغط الذي يضعف قدرة الاحتلال على الحصول على دعم غير مشروط، ثالثاً تعزيز الصورة الإعلامية، فالمظاهرات الأوروبية تعطي المقاومة منصةً إضافية لإيصال صوتها إلى العالم، وتكسر الرواية الصهيونية التي تحاول تصويرها كـ«إرهاب».

 

التحديات أمام الدعم الشعبي الأوروبي

 

رغم قوة هذا الدعم، يظل أمامه تحديات كبيرة. فهناك انقسام داخل أوروبا، وبعض الحكومات ما تزال متمسكة بتعاونها الدفاعي مع كيان الاحتلال. كما أن النفوذ الأميركي يضغط باتجاه الحد من تأثير هذه الموجة الشعبية. لكن استمرار المظاهرات واتساعها يؤكد أن الرأي العام الأوروبي بات عاملاً لا يمكن تجاهله في معادلة الصراع.

يُمثل الدعم الشعبي الأوروبي للقضية الفلسطينية أحد أهم التحولات في السنوات الأخيرة. من التعاطف الإنساني إلى الضغط السياسي، بات الشارع الأوروبي قوة مؤثرة تجبر الحكومات على مراجعة سياساتها تجاه الاحتلال. هذا الدعم يُعزز شرعية المقاومة الفلسطينية، ويمنحها فرصة لتوسيع حضورها الدولي، ويؤكد أن دماء غزة ولبنان لم تذهب هدراً، بل تحولت إلى طاقة سياسية وأخلاقية تدفع العالم نحو موقف أكثر عدلاً وإنصافاً للشعب الفلسطيني.

 

التحديات القائمة أمام المقاومة

 

رغم هذه الفرص، لا تزال المقاومة الفلسطينية تواجه تحديات كبيرة. فالدعم الأميركي لكيان الاحتلال لم يتراجع، والانقسام الأوروبي يجعل من الصعب بناء موقف موحد ضد الاحتلال. كما أن بعض الدول الأوروبية، مثل اليونان وقبرص، اختارت تعزيز تعاونها الدفاعي مع تل أبيب، ما يعني أن الاحتلال سيظل قادراً على الحصول على أنظمة متطورة. لكن هذه التحديات لا تلغي أهمية التحولات الجارية، بل تجعل من الضروري للمقاومة أن تستثمرها بحكمة، عبر تكثيف حضورها السياسي والإعلامي، وتعزيز تحالفاتها مع القوى الشعبية والحقوقية في أوروبا.

 

ختاماً إن التحولات الأوروبية الأخيرة، مهما بدت محدودة، تحمل انعكاسات مهمة على المقاومة الفلسطينية. فهي تضعف قدرة الاحتلال على الاستمرار في جرائمه من دون محاسبة، وتفتح أمام المقاومة فرصاً لتعزيز شرعيتها وكسب المزيد من الدعم الشعبي والسياسي الدولي. ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن هذه التحولات تؤكد أن دماء غزة ولبنان لم تذهب هدراً، وأن المقاومة قادرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية وأخلاقية تُعزز صمود الشعب الفلسطيني في معركته ضد الاحتلال.

 

المصدر: الوفاق/ خاص