الوفاق/ منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أثارت سياساته الخارجية والداخلية جدلاً واسعاً حول مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى. فبينما يرى مؤيدوه أنه يُعيد لأميركا هيبتها، يرى منتقدوه أن أسلوبه القائم على التنمر والصفقات التجارية يُسرّع من انحدار النفوذ الأميركي عالمياً. مجلة «بوليتيكو» سلطت الضوء على هذه المخاوف، معتبرةً أن ترامب يضع الولايات المتحدة على مسار قد يقودها إلى عالم ما بعد أميركا، حيث لم تعُد مركز الثقل الدولي.
التنمر كأداة سياسية
اعتمد ترامب على أسلوب المواجهة المباشرة والضغط الاقتصادي والسياسي على خصومه وحلفائه على حد سواء. من فرض الرسوم الجمركية على شركاء تجاريين تقليديين، إلى تهديد الدول التي لا تتماشى مع سياساته، بدا وكأنه يتعامل مع العلاقات الدولية كما لو كانت صفقات عقارية في نيويورك. هذا النهج أدى إلى تآكل الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، ودفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تُقلل من اعتمادها على واشنطن.
أوروبا بين التمرد والانفصال
في أوروبا، شهدنا سقوط رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد أقرب حلفاء ترامب، نتيجة ضغط شعبي. هذا التطور يعكس أن القادة الذين يتبنون نهجاً مشابهاً لترامب يواجهون تحديات داخلية متزايدة. كذلك، الخلاف العلني بين ترامب وبابا الفاتيكان أظهر أن حتى المؤسسات الدينية الكبرى لم تعُد تخشى مواجهته، ما يعكس تراجع الهيبة الأميركية في الساحة الدولية.
الاقتصاد كسلاح ذو حدين
الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على شركاء تجاريين مثل الصين والاتحاد الأوروبي دفعت هذه الدول إلى البحث عن شركاء جدد، وتقليل اعتمادها على السوق الأميركية. هذا التحول قد تكون له تداعيات بعيدة المدى، إذ أن تقليص الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة يعني تقليص النفوذ السياسي أيضاً. في المستقبل، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة للتوسل للحصول على دعم دولي، بعدما كانت القوة التي يُحسب لها ألف حساب.
السياسة الخارجية كصفقة عقارية
أحد الانتقادات الأساسية لنهج ترامب هو أنه يتعامل مع السياسة الخارجية وكأنها مجرد سلسلة من الصفقات التجارية. مسؤولون سابقون في أميركا اللاتينية أشاروا إلى أن ترامب وفريقه لا يدركون أن الشعوب تقاتل من أجل قيم ومعانٍ تتجاوز المكاسب المادية. هذا الفهم المحدود للعلاقات الدولية يجعل الولايات المتحدة تبدو وكأنها قوة لا تفهم العالم، بل تحاول فرض منطقها الخاص عليه.
بالنسبة للعلاقات الدولية لأمريكا، فقد دخل ترامب في مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين عبر حرب تجارية شملت فرض رسوم جمركية واسعة. الهدف كان تقليص العجز التجاري وحماية الصناعات الأميركية، لكن هذه السياسات أدت إلى توترات في الأسواق العالمية وأثرت على العلاقات بين البلدين.
علاقاته مع روسيا أثارت جدلاً كبيرًا، خاصةً فيما يتعلق بالانتخابات الأميركية والتدخلات الخارجية. بينما نفى ترامب أي علاقة غير قانونية، استمرت التحقيقات والجدل السياسي حول طبيعة هذه العلاقات وتأثيرها على السياسة الأميركية.
سياسة المواجهة هذه مع الحليف والعدو، دفعت عددًا من اللاعبين الدوليين إلى تحدي ترامب، وهذا ما شاهدناه في الأيام الأخيرة، وأدى ذلك إلى كشف محدودية تأثيره، ويبدو أنه حتى الآن لم يتكيف بشكلٍ جيد مع حقيقة أن المزيد من اللاعبين الدوليين هم مستعدون لمواجهة «القوة العظمى الأميركية».
السياسة الداخلية في أمريكا
اعتمد ترامب سياسة اقتصادية تقوم على تخفيض الضرائب بشكلٍ واسع للشركات والأفراد، معتبرًا أن هذه الخطوة ستؤدي إلى زيادة الاستثمار وخلق فرص عمل جديدة. كما ركّز على دعم الصناعات المحلية عبر فرض رسوم جمركية على الواردات، بهدف حماية المنتج الأميركي وإعادة المصانع إلى الداخل. هذه السياسات أثارت جدلاً واسعًا بين مؤيدين يرونها محفزةً للنمو ومعارضين يعتبرونها مفاقمة للعجز المالي.
الهجرة كانت محورًا رئيسيًا في خطاب ترامب السياسي، حيث شدد على ضرورة ضبط الحدود وبناء الجدار مع المكسيك كرمز لسياساته الصارمة. كما سعى إلى تقليص برامج اللجوء والهجرة القانونية، معتبرًا أن ذلك يحمي الأمن القومي ويعزز فرص المواطنين الأميركيين في سوق العمل. هذه السياسات واجهت انتقادات من جماعات حقوق الإنسان التي رأت فيها تقييدًا للحرية وتقليصًا للتنوع.
الشعب الأمريكي يرفض استبداد ترامب
شهدت أمريكا حراكاً شعبياً ضخماً تحت شعار «لا ملوك» في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، واستهدف الحراك ما يصفه منظموه بـ«تنامي النزعة الاستبدادية» في إدارة ترامب، وسياساته تجاه المهاجرين والحريات المدنية، ويرى المواطنون الأمريكيين أن ترامب يتصرف مثل الملك ويسعى لقوة السلطة التنفيذية على باقي السلطات دون فصل بينهم، من خلال اعتقال المهاجرين دون أحكام قضائية.
ورفع المنظمون وحلفاؤهم الحقوقيون والمدنيون فی هذه المظاهرات حزمة مطالب تصدرها وقف توسيع حضور القوات الفدرالية والعسكرية داخل المدن، وطالب المنظمون أيضاً بإنهاء الممارسات الشرطية المقنّعة وضمان تعرّف الجمهور على هوية العناصر وارتباطها المؤسسي، وفي ملف الهجرة، دعت الشبكات المشاركة مثل «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية» إلى كبح المداهمات والترحيل واسع النطاق ووقف الانتهاكات المنسوبة لوكالات اتحادية، وهكذا يأتي هذا الحراك لمواجهة «الأجندة الاستبدادية» لترامب وتمسك المواطنين الأمريكيين بسيادة القانون وحرية التظاهر السلمي.
حرب ترامب على ما يوصف بـ «الدولة العميقة»
هذه الحرب هي فعليًّا حرب على المؤسسات، والتي هي ضرورية من أجل تنظيم المجتمع في الداخل والتصدي للأعداء في الخارج، فإضعاف المؤسسة البيروقراطية من شأنه إضعاف قوة أميركا، فترامب يُريد بسط السيطرة حول العالم، إلّا أنّ ما يقوم به بحق المؤسسة البيروقراطية يقوّض هذا الهدف، ما تقوم به إدارة ترامب على صعيد تفكيك مؤسسة USAID، هو أوضح دليل على أنّ الحرب التي تشنّها إدارة ترامب على المؤسسة البيروقراطية هي بالفعل حرب على القوة الأميركية، فالنظام العالمي الذي تزعمته الولايات المتحدة، يستند إلى ثلاث ركائز غير اقتصادية، وهي حلف الناتو وUSAID، والتحالفات في منطقة المحيط الهادئ، وإدارة ترامب تحتقر الناتو، وتحاول تفكيك USAID، بينما تتسبّب بحالة قلق لدى الحلفاء في المحيط الهادئ.
عالم ما بعد أميركا
ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، حذر من أن ترامب قد يقود الولايات المتحدة إلى عالم ما بعد أميركا، حيث لم تعُد مركز الثقل الدولي. هذا التحول لا يعني بالضرورة انهيار أميركا، لكنه يعني أن نفوذها لم يعُد مطلقاً، وأنها بحاجة إلى حلفاء وشركاء أكثر من أي وقتٍ مضى. في عالم متعدد الأقطاب، لم يعُد بإمكان واشنطن الاعتماد على قوتها العسكرية والاقتصادية وحدها.
ختاماً سياسات ترامب القائمة على التنمر والصفقات التجارية قد تكون فعالة على المدى القصير في تحقيق بعض المكاسب، لكنها على المدى الطويل تُسرّع من تراجع النفوذ الأميركي عالمياً. العالم اليوم أكثر استعداداً لمواجهة الولايات المتحدة، وأكثر قدرة على بناء بدائل اقتصادية وسياسية بعيداً عنها. إذا استمرت واشنطن في هذا النهج، فقد تجد نفسها في موقع لم تكن تتخيله يوماً: قوة مضطرة للتوسل للحصول على الدعم، بعدما كانت القوة التي يلتف حولها العالم.