ماوراء الحصار البحري.. التحولات الكبرى في موازين القوى في الشرق الأوسط

خاص الوفاق/واشنطن اليوم تقف أمام خيارين أحلاهما مُر: إمّا الاعتراف بالواقع الجديد والقبول بإيران شريكاً قوياً في المنطقة، أو الاستمرار في استنزاف نفسها في حرب لا يمكن كسبها بالوسائل التقليدية

الوفاق/خاص
د. سلام عودة المالكي

 

لا يمكن قراءة المشهد الراهن بين طهران وواشنطن بمعزل عن التحول الزلزالي في بنية النظام الدولي؛ فنحن لا نشهد مجرد نزاع عسكري أو خلاف على ملف نووي، بل نحن بصدد “مخاض عسير” لولادة توازنات قوى جديدة.

 

 

لقد دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة وهي تستند إلى إرث “الهيمنة المطلقة” التي تلت الحرب الباردة، متوهمة أن تحريك حاملات الطائرات كفيل بانتزاع التنازلات، إلا أنها اصطدمت بحائط “الردع غير المتناظر” الذي شيّدته إيران بصبر استراتيجي على مدار عقود.

 

 

إنها حرب “عض الأصابع” في نسختها الأكثر خطورة، حيث لم يعد الرصاص هو الحكم الوحيد، بل دخلت الجغرافيا، والطاقة، ووحدة الساحات، والتحالفات العابرة للقارات، كلاعبين أساسيين في معركة تكسير عظام استراتيجية، تبدو فيها واشنطن كمن يصارع أمواجاً لا يراها، بينما تبدو طهران كربان يتقن الإبحار في العواصف، مستفيداً من كل ميل بحري لتعزيز موقعه.

 

 

لقد بدأت الحملة الأمريكية بمراهنة كلاسيكية على “الصدمة والترويع”، ظناً منها أن التلويح بالآلة العسكرية سيجبر طهران على الرضوخ، إلا أن الميدان كشف عن واقع مغاير؛ فقد أثبتت إيران قدرة فائقة على “إدارة حافة الهاوية”، محولةً الدفاع إلى هجوم استراتيجي.

 

 

إنّ الضربات النوعية التي استهدفت المصالح الأمريكية والصهيونية لم تكن مجرد ردود فعل، بل كانت “جراحة استراتيجية” أصابت نظرية الأمن الغربي في مقتل، وأثبتت أن القواعد والبوارج باتت أهداف سهلة أمام صواريخ ومسيرات لا يمكن رصدها دائماً، فتحولت أوراق قوتها إلى وهن وانكسار “الردع”.

 

 

 الفشل الدبلوماسي.. من باكستان إلى طريق مسدود

 

 

عندما أدركت واشنطن أن كلفة الحرب المفتوحة لا تحتمل، حاولت الإلتفاف عبر “دبلوماسية الضغوط القصوى”، فكانت محطات التفاوض -سواء في باكستان أو عبر الوساطات الإقليمية- ساحة أخرى للاشتباك.

 

 

لقد دخلت طهران هذه المفاوضات وهي تدرك أن “التنازل تحت الضغط هو انتحار سياسي”، فرفضت المقايضة على سيادتها أو حضورها الإقليمي أو مصالح حلفائها. هذا الثبات حوّل الطموح الأمريكي من “تغيير السلوك” إلى مجرد البحث عن “مخرج يحفظ ماء الوجه”، وهو ما فشلت فيه واشنطن حتى الآن.

 

 

سلاح الحصار والردع البحري

 

 

مع انسداد الأفق العسكري والدبلوماسي، لجأت الولايات المتحدة إلى “المقامرة الأخيرة”: الحصار البحري الخانق.

 

 

تهدف واشنطن من هذه الخطوة إلى عزل إيران عن شرايين الحياة العالمية، منتظرة لحظة الانهيار الداخلي؛ لكن إيران، التي تدير المعركة بعقلية “لاعب الشطرنج” لم ترضخ، بل رفعت سقف التحدي بمحاولات جادة لفك الحصار، مستندة إلى جغرافيا معقدة تجعل من تعطيل الملاحة الدولية سلاحاً ذا حدّين يهدد الاقتصاد العالمي برمته وهي مَن بنت اقتصادها المقاوم على مدى عقود من الصبر الاستراتيجي.

 

 

 المآلات: مَنْ يربح في النهاية؟

 

 

إنّنا نعيش فصول “حرب أنفاس طويلة”. وبينما تخسر الولايات المتحدة رصيدها السياسي وتتآكل هيبتها العسكرية وسط تخبط حلفائها، تبدو إيران وكأنها نجحت في تحويل الضغط إلى فرصة لترسيخ مكانتها كقوة إقليمية عظمى.

 

 

إنّ المآل المتوقع هو استمرار حالة “التآكل المتبادل”، مع ميل الكفة تدريجياً لمصلحة الطرف الذي يمتلك “الأرض والجغرافيا والتحالفات الشرقية”.

 

 

واشنطن اليوم تقف أمام خيارين أحلاهما مُر: إمّا الاعتراف بالواقع الجديد والقبول بإيران شريكاً قوياً في المنطقة، أو الاستمرار في استنزاف نفسها في حرب لا يمكن كسبها بالوسائل التقليدية.

 

 

في حرب “عض الأصابع” هذه، يبدو أن أصابع واشنطن هي التي بدأت تنزف. فالمنتصر ليس مَن يملك ترسانة أضخم، بل مَن يملك إرادة أصلب وقدرة على الثبات لثانية واحدة بعد رحيل الخصم.

 

 

المصدر: الوفاق / خاص