في ظل تداعيات العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران

إشكالية التبعية الأوروبية لواشنطن تتسع وتُهدد مستقبل الناتو

 نشهد تصاعداً للتوتر السياسي بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في ظل تداعيات العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، وقد لوّح ترامب بإجراءات غير مسبوقة تُهدد توازنات تاريخية في العلاقات عبر الأطلسي

 

في أبريل / نيسان 2026 ظهرت تسريبات عن مذكرة داخلية في وزارة الدفاع الأميركية طرحت خياراً مفاجئاً ورمزياً يتمثل في إعادة النظر بالدعم الدبلوماسي الأميركي لسيادة بريطانيا على جزر فوكلاند. هذا الاقتراح جاء في سياق خلاف متصاعد بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين حول منح تسهيلات عسكرية لاستخدام قواعدها وأجوائها في عمليات محتملة للمشاركة في العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران. هذا التهديد لم يقتصر على بريطانيا بل امتد إلى إسبانيا وألمانيا وإيطاليا إذ أعلن دونالد ترامب عن نيته في خفض عديد القوات الأمريكية في هذه البلدان، وهكذا نشهد تصاعداً للتوتر السياسي بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في ظل تداعيات العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، وقد لوّح ترامب بإجراءات غير مسبوقة تُهدد توازنات تاريخية في العلاقات عبر الأطلسي.

 

سياق التوتر عبر الأطلسي

 

التوتر الحالي ينبع من تباينات جوهرية في مواقف الحلفاء تجاه المشاركة المباشرة أو غير المباشرة في العدوان الأمريكي الصهيوني ضد إيران. بعض الدول الأوروبية رفضت منح تسهيلات ABO التي تشمل الهبوط والبقاء والعبور في قواعدها ومطاراتها. في هذا المناخ، بدا أن دوائر صنع القرار في واشنطن تبحث عن وسائل للضغط على تلك العواصم لإعادة النظر في مواقفها، فظهرت أفكار رمزية قد تُستخدم كأوراق تفاوضية لرفع كلفة الرفض أو لإظهار قدرة على المناورة السياسية. تسريب مثل هذه الخيارات يعكس أيضاً توتراً أوسع في فهم الأولويات الاستراتيجية بين الحلفاء، حيث تتقاطع المصالح الأمنية مع حساسية السيادة الوطنية والالتزامات القانونية الدولية.

 

دلالات اختيار ملف فوكلاند

 

اختيار ملف جزر فوكلاند ليس عشوائياً؛ فهو ملف تاريخي وسياسي شديد الحساسية، إذ يُمثل نزاعاً سيادياً بين بريطانيا والأرجنتين له جذور تاريخية وذاكرة جماعية مؤلمة. أي تراجع أميركي عن دعم دبلوماسي ثابت لسيادة بريطانيا على هذه الجزر سيُقرأ على أنه تحول استراتيجي في موازين القوى عبر الأطلسي، وقد يُفسَّر على أنه تخلٍّ عن التزامات تاريخية أو إعادة ترتيب أولويات التحالف. من الناحية الرمزية، فإن استخدام ملف كهذا كأداة ضغط يرسل رسالة قوية إلى هذه العواصم الأوروبية مفادها أن واشنطن قادرة على إعادة ترتيب مواقفها التقليدية إذا شعرت بأن مصالحها الحيوية مهددة أو أن شركاءها لا يتعاونون بالشكل المطلوب. ومع ذلك، فإن الروابط الأمنية والاستخباراتية العميقة بين الولايات المتحدة وبريطانيا تجعل من الصعب عملياً تحويل تهديد رمزي إلى سياسة دائمة دون تكاليف سياسية واستراتيجية باهظة.

 

مواقف الدول الأوروبية.. الدفاع عن السيادة

 

في السياق نفسه، رفضت إسبانيا منح أي قواعد أو أجواء للاستخدام الأميركي في العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، واعتبرت أن أي ضربات محتملة قد تُشكل انتهاكاً للقانون الدولي ما لم تكن مصحوبة بقرار أُممي أو إطار قانوني واضح. هذا الموقف يعكس حساسية داخلية وخارجية لدى مدريد تجاه المشاركة في عمليات عسكرية بعيدةً عن حدودها، كما يعكس رغبةً في الحفاظ على التماسك القانوني والشرعي في سياساتها الخارجية.

 

والأمر نفسه في كل من إيطاليا وألمانيا التي أعلن ترامب أنه المحتمل سحب وتخفيض عدد القوات الأميركية فيها وذلك بعدما انتقد عدم إرسالها ​قوات بحرية إلى مضيق هرمز، مُهدداً إنه يدرس سحب الولايات المتحدة من حلف الناتو.

 

هذا التهديد والمقترحات التي وردت في المذكرة الداخلية والتي تضمنت حتى إمكانية فرض عقوبات رمزية على دول رافضة مثل تعليق مناصب داخل هياكل الحلف أثارت بدورها تساؤلات حول مدى توافق مثل هذه الإجراءات مع نصوص المعاهدات والآليات الداخلية للحلف، وما إذا كانت ستؤدي إلى تفكك ثقة متبادلة بين الحلفاء.

 

مخاطر استخدام الملفات السيادية كأدوات ضغط

 

اللجوء إلى ملفات سيادية تاريخية كأدوات تفاوضية يحمل مخاطر متعددة. أولاً، هناك خطر تصعيد دبلوماسي قد يتحول بسرعة إلى أزمة ثقة طويلة الأمد بين الحلفاء، ما يضعف القدرة على التنسيق في أزمات مستقبلية تتطلب إجماعاً أو تعاوناً وثيقاً. ثانياً، قد يدفع هذا الأسلوب دولاً أوروبية إلى البحث عن بدائل أمنية واستراتيجية تُقلل اعتمادها على الولايات المتحدة، سواء عبر تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية أو عبر بناء شراكات إقليمية جديدة. ثالثاً، استخدام مثل هذه الأوراق قد ينعكس سلباً على التعاون الاستخباراتي واللوجستي، إذ أنّ الثقة المتبادلة هي حجر الزاوية في تبادل المعلومات الحساسة والعمليات المشتركة. أخيراً، هناك بُعد داخلي في كل دولة؛ فالحكومات التي تُعرض على ضغوط خارجية قد تواجه ردود فعل شعبية وسياسية داخلية تقوّض قدرتها على التراجع أو التفاوض بحرية.

 

سيناريوهات محتملة وتوازنات القوة

 

من الممكن تصور عدة سيناريوهات تتراوح بين بقاء المقترح في إطار التهديد الرمزي الذي يُستخدم في مفاوضات مغلقة، إلى محاولة تطبيق جزئي يؤدي إلى توترات دبلوماسية محدودة، وصولاً إلى سيناريو أكثر خطورة يتضمن إجراءات انتقامية متبادلة تؤثر على التعاون العسكري والاستخباراتي. في السيناريو الأول، قد تنجح الدبلوماسية في احتواء الأزمة عبر قنوات خلفية وتقديم تنازلات متبادلة تحفظ ماء الوجه. في السيناريو الثاني، قد تشهد العلاقات مؤشرات برود مؤقتة تتطلب وقتاً لإصلاحها. أمّا السيناريو الثالث، فهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر تأثيراً، إذ قد يؤدي إلى إعادة ترتيب تحالفات إقليمية وتغيرات في بُنية التعاون الأمني عبر الأطلسي. في كل هذه السيناريوهات، يبقى العامل الحاسم هو قدرة القادة على إدارة التوترات عبر قنوات دبلوماسية فعالة وتقديم حلول قانونية وسياسية تقلل من احتمالات التصعيد.

 

ختاماً التسريب الذي كشف عن خيار إعادة النظر في دعم واشنطن لسيادة بريطانيا على جزر فوكلاند وموقف ترامب من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا يُسلط الضوء على هشاشة بعض أدوات الضغط في السياسة الخارجية ومدى تأثيرها الرمزي على العلاقات الدولية. بينما قد تبدو مثل هذه الخيارات فعالة على مستوى التفاوض التكتيكي، فإنّ تحويلها إلى سياسة دائمة يواجه قيوداً عملية وقانونية وسياسية كبيرة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص