مساراتٌ نانويةٌ لتنقية المياه؛ ابتكار مشترك لباحثين إيرانيين وصينيين

الوفاق/ تمكّن باحثون إيرانيون وصينيون، من خلال تطوير محفّزٍ نانويٍّ ثنائيّ المواقع، من رفع كفاءة إزالة الملوّثات العنيدة من المياه.

وفي ظلِّ تحوّل تلوّث الموارد المائية إلى أحد أبرز التحدّيات العالمية، قدّم باحثو جامعة البرز للعلوم الطبية، بالتعاون مع مراكز علمية دولية، مقاربةً مبتكرةً ترمي إلى تعزيز كفاءة عمليات التنقية.

 

وقد صمّم الفريق البحثي محفّزاً نانوياً قائماً على الأطر العضوية‑الفلزية، ما أتاح له تجاوز كثيرٍ من القيود المعروفة في أنظمة فنتون‑الشبيهة التقليدية إلى حدٍّ كبير.

 

ويتميّز هذا المحفّز باعتماده على مواقع فعّالة مزدوجة تُمكّنه من التفعيل المتزامن للمسارات الجذرية وغير الجذرية، الأمر الذي ينعكس تحسّناً ملموساً في إزالة الملوّثات المقاومة من المياه.

 

وتُظهر نتائج هذا البحث أن توظيف التصاميم الدقيقة على المقياس النانوي يساهم في تطوير تقنياتٍ مستدامةٍ ومنخفضة التكلفة وفعّالةٍ لتنقية المياه؛ وهي مسألةٌ تزداد أهميتها في ظلّ أزمة الموارد المائية المتفاقمة.

 

تُعدّ ملوّثات المياه من أبرز تحدّيات القرن الحادي والعشرين؛ إذ لا تهدّد جودةَ حياة الإنسان فحسب، بل تؤثر مباشرة في صحة الأنظمة البيئية أيضاً. فالمركّبات العضوية المعقّدة والأدوية والملوّثات الصناعية لا تتحلّل بسهولةٍ في البيئة، وقد تحوّل وجودها في المياه إلى أزمةٍ عالميةٍ متنامية. وفي هذا السياق، يُعتبر تطوير أساليب فعّالة ومستدامة ومنخفضة التكلفة لإزالة هذه الملوّثات من أولويات البحث العلميّ الحديثة.

 

وقد حظيت العمليات المعروفة باسم «فنتون‑الشبيهة» باهتمامٍ واسعٍ باعتبارها من تقنيات الأكسدة المتقدمة، إذ تقوم على توليد أنواعٍ كيميائيةٍ نشطةٍ قادرةٍ على تفكيك الملوّثات المقاومة. غير أنّ هذا المجال يواجه تحدّياً أساسياً، وهو أن زيادة التفاعلية كثيراً ما تؤدي إلى انخفاض الاستقرار، والعكس صحيح؛ لذا أصبح تصميم محفّزاتٍ تجمع بين هاتين الميزتين في آنٍ واحدٍ مسألةً علميةً بالغة التعقيد.

 

وفي هذا الإطار، قدّم فريقٌ من الباحثين في جامعة البرز للعلوم الطبية، بالتعاون مع مراكز علمية دولية، حلاً مبتكراً لتجاوز هذا القيد؛ إذ استخدموا الأطر العضوية‑الفلزية ثنائية الفلز (ZIF) كمادّة أولية، ونجحوا في تطوير محفّز قائم على الكوبالت يتميّز ببنية نانوية ومواقع فعّالة مزدوجة.

 

يُعرف هذا المحفّز بالتركيب Co₀․₇₅Zn₀․₂₅‑NC، وقد جرى تصميمُه هندسياً بطريقة تمكّنه من تفعيل مسارات تفاعلية متعدّدة في آن واحد.

 

وهنا تبرز الأهمية الحقيقية للبُعد النانوي في هذا البحث؛ إذ أُحكم التحكم في بنية المحفّز على المقياس النانوي، كما جرى ترتيب المواقع الفعّالة ترتيباً ذريّاً موجَّهاً ومدروساً. ويتيح وجودُ نوعين من المواقع الفعّالة، وهما روابط Co–Co وCo–N، إمكانيةَ تفعيلِ مسارين مختلفين من الأكسدة بشكلٍ متزامن.

 

فمواقعُ Co–Co تؤدّي دوراً رئيسياً في توليد جذور الكبريتات، في حين تسهم مواقعُ Co–N في إنتاج الأكسجين الأحادي. ويؤدّي هذا التكاملُ الذكيّ إلى سير عمليةِ تفكيكِ الملوّثات عبر المسارين الجذريّ وغير الجذريّ في الوقت نفسه.

 

وتُظهر نتائج هذا التصميم المتقدّم أنّ المحفّز المطوَّر يحقّق أداءً متميّزاً في إزالة الملوّثات، ولا سيّما المركّبات الغنيّة بالإلكترونات مثل التتراسيكلين، الذي يُعدّ من الملوّثات الدوائية الشائعة في الموارد المائية. كما أظهر النظام كفاءةً عاليةً في استهلاك العامل المؤكسِد (البيروكسيمونوسلفات)، إضافة إلى قدرة ملحوظة على مقاومة تعقيدات مصفوفة المياه، بما في ذلك وجود الأيونات والمركّبات المتداخلة.

 

ومن الخصائص البارزة لهذا المحفّز أيضاً توافقُه مع نطاقٍ واسعٍ من الظروف البيئية؛ إذ يُظهر أداءً مناسباً في مستوياتٍ مختلفةٍ من الأسّ الهيدروجيني (pH) وفي أنواعٍ متعددةٍ من جودة المياه، ممّا يدلّ على أنّ هذه التقنيةَ قابلةٌ للتطبيق في الظروف الواقعية، وليس فقط في البيئات المخبرية المضبوطة حيث تكون المعايير مثاليةً أكثر ممّا ينبغي.

 

المصدر: الوفاق