ويهزّ أسطورة الردع

المقاومة في لبنان.. كابوس يربك الجيش الصهيوني

 تُظهر مخاوف التوغل البري الصهيوني عجزه أمام تصاعد دور المقاومة التي حوّلت جنوب لبنان إلى ساحة ردع فعّالة تُعقّد أي تقدم عسكري وتفرض معادلات جديدة في الميدان

يتسع نطاق العمليات العدوانية الصهيونية في جنوب لبنان بوتيرةٍ لافتة، لكن هذا التصعيد لا يواكبه اندفاع بري واسع بقدر ما يعتمد على الغارات الجوية والإنذارات بالإخلاء والقصف المدفعي، في مؤشر يعكس حذرًا صهيونياً من الانخراط في مواجهة ميدانية مباشرة مع حزب الله داخل الجغرافيا الجنوبية المعقدة. فمنذ بداية التصعيد الأخير على الجبهة اللبنانية، بدا واضحًا أنّ الاحتلال الصهيوني يحاول فرض معادلة عسكرية تقوم على تكثيف القصف الجوي والتدمير الواسع واستهداف البُنية المدنية، مقابل تجنب الانخراط في عملية برية واسعة داخل العمق الجنوبي اللبناني. هذا السلوك العسكري لا يعكس فقط خيارًا تكتيكيًا مرتبطًا بطبيعة المعركة الحالية، بل يكشف عن أزمة أعمق داخل العقل الأمني والعسكري الصهيوني، تتمثل في الخشية المتزايدة من تكرار تجربة الاستنزاف والهزيمة التي ارتبطت تاريخيًا بجنوب لبنان.

 

فالاحتلال، رغم امتلاكه ترسانة جوية وتقنية ودعمًا أمريكيًا وغربيًا غير محدود، يُدرك أنّ الحرب البرية في الجنوب اللبناني ليست مواجهة تقليدية يمكن حسمها بالقوة النارية وحدها، بل هي معركة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا بالعقيدة القتالية والخبرة الميدانية والقدرة على الاستنزاف طويل الأمد. ولهذا، يبدو أنّ كيان الاحتلال يحاول إدارة الحرب من مسافة آمنة، عبر القصف الجوي والإنذارات بالإخلاء وعمليات التدمير عن بُعد، بدل الدخول في مواجهة مباشرة مع مقاتلي المقاومة الإسلامية داخل القرى والأودية والتلال الجنوبية. لكن هذا الحذر الصهيوني يطرح سؤالًا أساسيًا: إذا كان العدو الصهيوني يمتلك كل هذا التفوق العسكري، فلماذا يخشى التوغل البري؟ ولماذا يبدو مترددًا في دخول معركة ميدانية واسعة رغم التصعيد المتواصل؟ الإجابة تكمن في طبيعة التحول الذي شهدته المقاومة الإسلامية في العقود الماضية، وفي التغير العميق الذي أصاب مفهوم القوة والردع داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية.

 

الجغرافيا التي تحولت إلى كابوس استراتيجي للاحتلال

 

لم يكن جنوب لبنان يومًا ساحة عسكرية عادية بالنسبة  لكيان الاحتلال. فمنذ الاجتياح الصهيوني عام 1982 وحتى الانسحاب المذل عام 2000، شكّل الجنوب مساحة استنزاف دائم للجيش الصهيوني، إذ اصطدمت الآلة العسكرية الصهيونية بواقع ميداني مختلف تمامًا عن الحروب التقليدية التي اعتادت عليها.

 

فالجنوب اللبناني ليس مجرد منطقة حدودية مفتوحة، بل بيئة قتالية معقدة تتميز بالتلال والأودية والقرى المتداخلة والغطاء الطبيعي الذي يمنح المقاومة قدرة كبيرة على المناورة وتنفيذ الكمائن. ومع تطور خبرات المقاومة، تحولت هذه الجغرافيا إلى عنصر قوة حاسم يحد من فعالية التفوق التكنولوجي الصهيوني.

 

الاحتلال يدرك جيدًا أن أي توغل بري في هذه البيئة سيعني الدخول في حرب استنزاف مفتوحة، إذ تصبح القوات المتقدمة عرضةً للهجمات المباشرة والكمائن والصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيّرة الانقضاضية، ما يرفع كلفة العمليات البشرية والعسكرية بشكلٍ كبير.

 

 

المقاومة الإسلامية وتطور نموذج الحرب غير التقليدية

 

ما يقلق العدو الصهيوني اليوم ليس فقط وجود المقاومة، بل طبيعتها وكيفية تطورها في السنوات الماضية. فحزب الله لم يعُد مجرد تنظيم يعتمد على الكمائن التقليدية والصواريخ القصيرة المدى، بل تحول إلى قوة عسكرية منظمة تمتلك خبرات واسعة في القتال والتخطيط واستخدام التكنولوجيا الحديثة. والخبرة المتراكمة في إدارة المعارك المعقدة، جعلت منه أكثر قدرة على التعامل مع أي توغل بري صهيوني.

 

كما أنّ اعتماد المقاومة على أسلوب «الاستنزاف الذكي» يُمثل تحديًا خطيرًا للاحتلال، لأنها لا تحتاج إلى خوض معركة شاملة ومباشرة لتحقيق تأثيرها، بل تعتمد على ضربات متقطعة ومستمرة تستنزف الجيش الصهيوني نفسيًا وعسكريًا، وتفرض عليه حالة استنفار دائم.

 

وهذا ما يفسر تركيز الاحتلال على استهداف منصات المسيّرات الانقضاضية ومراكز الإطلاق، لأنّ هذه الأدوات أصبحت عنصرًا مؤثرًا في معادلة الردع الحالية.

 

 

القصف الجوي كبديل عن العجز البري

 

في ضوء هذه التحديات، اختار العدو الصهيوني العودة إلى استراتيجيته التقليدية القائمة على استخدام القوة الجوية المكثفة كوسيلة لتعويض العجز عن الحسم البري. فالغارات الجوية والقصف المدفعي وعمليات التدمير الواسعة تهدف إلى تحقيق عدة أهداف في آنٍ واحد.

 

أول هذه الأهداف هو محاولة إنهاك البيئة الحاضنة للمقاومة عبر التدمير والنزوح والضغط النفسي. أمّا الهدف الثاني فهو تقليل الاحتكاك المباشر مع مقاتلي المقاومة، لتجنب الخسائر البشرية التي قد تتحول إلى أزمة داخلية في كيان العدو.

 

لكن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه اعترافًا ضمنيًا بحدود القوة الصهيونية. فالقوة الجوية، رغم قدرتها التدميرية، لا تستطيع السيطرة على الأرض أو إنهاء وجود المقاومة بشكلٍ كامل، خاصةً عندما تكون هذه المقاومة متجذرة داخل بيئتها الجغرافية والاجتماعية.

 

ولهذا، يبدو أنّ العدو الصهيوني يحاول تحقيق «إنجاز سياسي بالنار» بدل تحقيقه عبر السيطرة الميدانية، لأنه يدرك أنّ المعركة البرية قد تقلب التوازنات ضده بدل أن تمنحها انتصارًا سريعًا.

 

الردع الصهيوني يتهاوى وثقة المقاومة تتصاعد

 

تعكس التطورات الأخيرة في جنوب لبنان انهيارًا ملموسًا للقدرة الصهيونية على الردع، إذ بات الجيش الصهيوني، رغم امتلاكه للقوة الجوية، مترددًا في خوض مواجهات برية مباشرة خشية الخسائر البشرية والهزائم الميدانية. هذا التراجع يفضح محدودية الاستراتيجية الصهيونية ويضعف صورته داخليًا وخارجيًا، مسلطًا الضوء على هشاشة الحسم السريع الذي كان يتباهى به لعقود. بالمقابل، تظهر المقاومة الإسلامية ثقة متزايدة بفضل معرفتها الميدانية العميقة، وقدرتها على المناورة والاستنزاف، إضافةً إلى استخدام البُعد النفسي والمعنوي كسلاحٍ فعال.

 

هذا وتكشف تقارير صهيونية عن قلق متزايد في الجيش الصهيوني بجنوب لبنان بسبب مسيّرات حزب الله الانقضاضية، التي أصبحت سلاحاً مؤثراً يصعب اعتراضه وتُسبب خسائر وإرباكاً ميدانياً. وتبرز أهميتها في قدرتها على ضرب القوات واستهداف فرق الإخلاء بدقة منخفضة التكلفة، ما جعلها أداة ضغط فعّالة. هذا التطور عزز مخاوف الجيش الصهيوني من التوغل البري، إذ يواجه الجنود تهديداً مستمراً فوق الأرض، ما يحد من قدرتهم على التحرك والمناورة ويزيد من كلفة أي عملية برية واسعة.

 

ختاماً يكشف الحذر الصهيوني من التوغل البري في جنوب لبنان عن حدود قوته الحقيقية، إذ لم يعُد التفوق التكنولوجي كافيًا للحسم. المقاومة الإسلامية نجحت في تحويل الجنوب إلى مساحة صعبة ومعقدة، فرضت بواسطتها معادلة ردع جديدة، تجعل أي تقدم صهيوني محفوفًا بالمخاطر والخسائر المحتملة.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص