بمناسبة يوم تكريم اللغة الفارسية وتكريم شاعر الشاهنامة

الفردوسي.. حارس الهُوية الإيرانية وخلود اللغة الفارسية

الشاهنامة مليئة بالإستعارات والصناعات البديعية التي تظهر براعة الفردوسي اللغوية الفائقة.

اللغة الفارسية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء لحضارة تمتد لآلاف السنين، وجسر بين إيران القديمة والإسلامية. في عالم تهيمن عليه لغات قليلة، تظل الفارسية نموذجاً في الصمود أمام التغيير.

 

ويأتي الحكيم أبو القاسم الفردوسي في طليعة أبطالها، ليس شاعراً فحسب، بل مهندساً للوعي الجمعي وحارساً للهوية لأكثر من ألف عام. بمناسبة يوم تكريم اللغة الفارسية والحكيم أبي القاسم الفردوسي الذي يصادف يوم الجمعة 15 مايو، يقدّم هذا التقرير تحليلاً لدور الفردوسي في إنقاذ اللغة الفارسية، وأسرار خلود «الشاهنامة» التي تجاوزت الملحمة لتصبح بطاقة هوية لشعب بأكمله.

 

لمحة عن حياة الأسطورة

 

وفقاً للمصادر التاريخية، وُلد الحكيم أبو القاسم حسن بن علي الطوسي، المعروف بالفردوسي، حوالي عام 949 م،  في قرية من توابع منطقة «طوس» بخراسان، في عائلة من طبقة «الدهاقين»، وهم ملاك صغار كانوا حراس الثقافة والتقاليد الإيرانية القديمة. توفي عام 1018م، عن عمر 78 عاماً، ودُفن في مسقط رأسه.

 

 

الشاهنامة.. ليست مجرد شعر، بل مشروع وجود

 

«الشاهنامة» من أهم آثار الفردوسي، فهي جزء من «تيار أدبي» واسع لنظم وكتابة الشاهنامة في القرن الرابع الهجري، وهو تيار لم يكن أدبياً فقط، بل ثقافياً وسياسياً واجتماعياً. قبل الفردوسي، كُتبت أعمال مثل «شاهنامة أبو منصوري» و«شاهنامة المسعودي» و«شاهنامة دقيقي الطوسي».

 

 

لكن ما جعل «شاهنامة الفردوسي» تتفوق على جميع سابقاتها هو: الذكاء، النبوغ، والحكمة الفردية للفردوسي. لقد استمر في مراجعة وتصحيح عمله لمدة 20 عاماً بعد الانتهاء منه، مما يظهر دقة متناهية وإحساساً عميقاً بالمسؤولية تجاه الإرث الذي سيتركه للأجيال.

 

أسرار الخلود

 

يُجمع الباحثون على أن أحد أهم أسباب خلود الشاهنامة هو أنها لم تكن عملاً أدبياً بحتاً. لقد تحولت إلى جزء من الهوية الإيرانية، وأحد مفاهيم «الإيرانية» في العالم.

 

الفردوسي، على عكس بعض المؤرخين، حافظ على حدود عقيدته الإسلامية، لكنه قدم شخصيات عمله كموحدين بالله دون أن يمثلوا ديناً معيناً. هذه الظرافة والدقة جعلت عمله قابلاً للتبني من قبل الجميع، بغض النظر عن معتقداتهم.

 

جمالية اللغة وغنى الصناعات البديعية

 

الشاهنامة مليئة بالإشارات إلى مصادر موثوقة ومقبولة، وهذا ما بنى الثقة بها عبر الأجيال. بالإضافة إلى ذلك، فهو لا يصنع أساطير من أتباع أديان معينة، مما يعطي عمله مصداقية وشمولاً.

 

الشاهنامة مليئة بالاستعارات والصناعات البديعية التي تظهر براعة الفردوسي اللغوية الفائقة. لهذا السبب، في القواميس الفارسية، أكثر الأمثلة اللغوية مأخوذة من الشاهنامة.

 

 

حفظة الشاهنامة عبر العصور

 

منذ القرن السابع الهجري وحتى العصر القاجاري، نجد نسخاً مختلفة من الشاهنامة تُظهر تطور اللغة الفارسية. لكن الشعب الإيراني إختار الشاهنامة كعمل معياري وأساس للغة الفارسية، حتى في أحلك الفترات التاريخية مثل الغزو المغولي، حيث تم حفظها وحراستها بعناية فائقة بينما ضاعت أعمال أخرى.

 

 

وتم أخيراً إزاحة الستار عن مخطوطة نادرة لـشاهنامة في مشهد المقدسة يعود عمرها لنحو 350 عامًا، كتبت بخط النستعليق في 325 صفحة. وتم وقفها للعتبة الرضوية المقدسة سنة 1166 هـ، وتتميز بحجمها الكبير وكتابتها بستة أعمدة، مما يشير إلى أنها كُتبت لشخصية هندية بارزة.

 

 

«سمفونية الهوية»

 

في سياق متصل، وبمناسبة يوم تكريم اللغة الفارسية والحكيم أبي القاسم الفردوسي، أُقيمت في إيران مراسم وبرامج فنية مختلفة. ففي مساء الأربعاء 13 مايو، احتضنت قاعة «وحدت» بطهران مراسم بعنوان «الشاهنامة والهوية الإيرانية»، بحضور أهل الأدب والفن.

 

وكانت تهدف المراسم إلى إعادة قراءة مكانة الشاهنامة بوصفها أحد أهم أركان الهوية الثقافية الإيرانية، مع التركيز على دور اللغة الفارسية في استمرارية هذه الهوية. وتضمنت المراسم تكريم «أمين اللغة الفارسية» قائد الأمّة الشهيد، وعزف «سمفونية الشاهنامة» بواسطة أوركسترا طهران السمفونية.

 

كما تم تكريم عدد من النشطاء في مجال قراءة الشاهنامة والبحث فيها، وذلك بتنظيم من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

 

الفردوسي اليوم.. حضور متجدد للهوية

 

في عصر العولمة وتحديات الهوية، يظل الفردوسي أكثر حضوراً من أي وقت مضى. إن تكريمه في يوم اللغة الفارسية ليس مجرد احتفاء بماضٍ مجيد، بل هو تأكيد على أن اللغة الفارسية، بفضل ملحمته الخالدة، لم تزل حية وقادرة على استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل، والشاهنامة، كما يصفها الباحثون، هي «بطاقة الهوية الوطنية للإيرانيين».

 

المصدر: الوفاق