«علامة دبي التجارية» التي بُنيت وسُوّقت لسنوات؛ تضرّرت بشدّة خلال أسابيع

وعود أمريكية فارغة قادت الإمارات إلى أزمة اقتصادية

إرنا/ تخيل أنك استثمرت سنوات في بناء برج شاهق على شاطئ البحر، حتى أصبح البرج مشهورًا لدرجة أن جميع المستثمرين في العالم يريدون الشراء فيه في نفس الوقت؛ لكن فجأة، اندلعت حرب في الجوار، وهرب المستثمرون، انهارت قيمة أسهمك، واكتشفت أن مَن وعدك بالحماية قد تركك وحيدًا.

هذه القصة الحزينة تعكس تجربة بعض الدول العربية في منطقة الخليج الفارسي، خاصة الإمارات، في العدوان الذي شنّته الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث نفّذت هذه الدول لعقود خططًا مختلفة للتنمية الاقتصادية مدعومة بدعم الغرب؛ لكنها وجدت نفسها وحيدة في لحظة تاريخية حرجة. والسؤال هنا هو: كيف جعلت الوعود الفارغة لواشنطن في مجال الأمن العسكري الإمارات وبقية الحلفاء العرب في غرب آسيا يلاحقون السراب، محطمة أحلامهم الاقتصادية؟ والإجابة يمكن إيجادها في أرقام وإحصاءات اقتصادهم.

 

 كارثة اقتصادية شاملة

 

تعد الإمارات من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة في المنطقة، وكانت داعمة قوية للعدوان الأمريكي – الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والآن جلبت لها هذه الحرب كارثة اقتصادية شاملة.

 

وفقًا لإحصاءات المصادر الإماراتية، فقد انخفضت قيمة سوق الأسهم في دبي بنحو 16٪ وأبوظبي بنحو 9٪، ما أدى إلى فقدان ما يقارب 120 مليار دولار من قيمة السوقين الرئيسيين في الإمارات. كما تراجع قطاع السياحة، الذي يشكل 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة 60 إلى 80٪ في الحجوزات.

 

لسوء الحظ، كانت الإمارات تعتقد أنها محمية تحت مظلة الأمن الأمريكي؛ لكنها اكتشفت أن هذه المظلة لم توفر الحماية، بل جعلتها هدفًا واضحًا. كانت دبي لسنوات تعتبر جنة آمنة للمستثمرين؛ لكن الحرب حطمت هذه الصورة. المدارس أُغلقت، والعائلات الأجنبية غادرت البلاد، والفنادق خلت، ورواتب موظفي قطاع السياحة انخفضت إلى النصف. وهذا يمثل ضربة مباشرة للنموذج الاقتصادي الإماراتي القائم على جذب الاستثمار والسياحة الأجنبية.

 

 الوعود الأمريكية الفارغة؛ الإمارات في فوهة النار

 

السؤال الآن: لماذا بقيت الإمارات إلى جانب الولايات المتحدة رغم كل هذه الخسائر؟ الجواب واضح: بسبب الوعود التي لم يُنفذ منها شيء. فقد وعدت الولايات المتحدة لعقود بعض الدول العربية: «اعطونا قواعد عسكرية، اشتروا منّا الأسلحة، وسنحميكم». الإمارات صدقت هذا الوعد، ووفرت قاعدة الظفرة، واشترت مليارات الدولارات من الأسلحة الأمريكية، وقدّمت نفسها كحليف استراتيجي لواشنطن؛ لكن عندما اندلعت الحرب، لم تحم الولايات المتحدة الإمارات، بل دخلت الحرب بدون تنسيق معها، لتصبح الإمارات إحدى الضحايا.

 

الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب تتجاوز سقوط الأسهم والسياحة؛ فقد أغلق مضيق هرمز، وتوقف عمل الموانئ التي كانت محور توزيع البضائع بين موانئ الخليج الفارسي، وتراجع إنتاج وتصدير النفط بشدة.

 

وكانت الولايات المتحدة قد وعدت حلفاءها بأن حصار مضيق هرمز وفرض العقوبات على النفط الإيراني سيجعل طهران تستسلم؛ لكن النتيجة كانت عكسية؛ إذ أضرّ إغلاق مضيق هرمز بتصدير النفط للدول العربية، وتوقفت قطر عن إنتاج الغاز، وانخفض إنتاج النفط الإماراتي اليومي بين 500 – 800 ألف برميل، وأعلنت الكويت والبحرين حالة الطوارئ.

 

الحقيقة القاسية أن حتى لو انتهت الحرب غدًا، ستبقى الخسائر لعدة أشهر وسنوات. إعادة تأمين ناقلات النفط سيستغرق أشهرًا، وتوقع محللو “غولدمان ساكس” أن بعض الدول العربية ستشهد انخفاضًا يصل إلى 14٪ في الناتج المحلي الإجمالي.

 

المستثمرون يهربون من المخاطر

 

تُعدّ الأسواق المالية من أسرع القطاعات استجابة للحرب. فعادة ما يتجه المستثمرون العالميون في أوقات عدم اليقين نحو أصول أقل خطورة، مما يزيد الضغط على أسهم وأوراق الإمارات.

 

خلال الأزمات الإقليمية، يشهد سوق الأسهم في دبي عادة «تذبذبًا أسبوعيًا بنسبة 2 – 6٪»، ويكون التذبذب أعنف في الشركات المرتبطة بالتجارة والنقل والسياحة. كما يؤدي ارتفاع المخاطر الائتمانية إلى زيادة «تكلفة الاقتراض للشركات حتى 8/0٪»، مما يمثل تحديًا كبيرًا للمشاريع الكبرى التي تحتاج تمويلًا خارجيًا.

 

هذا الوضع يضغط أيضًا على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر؛ فالإمارات جذبت نحو 23 مليار دولار من الاستثمار المباشر في 2023؛ لكن البيانات تشير إلى أن تدفق الاستثمار يتباطأ في فترات عدم اليقين، ويميل المستثمرون لتأجيل قراراتهم.

 

إحدى أشدّ تداعيات الحرب المريرة للإمارات هي هروب المستثمرين الأجانب؛ إذ تشير وسائل الإعلام العربية إلى اختفاء نحو 120 مليار دولار من قيمة سوقي الأسهم الرئيسيين. وتراجع قطاع السياحة بنسبة 60 إلى 80٪ في الحجوزات، وتُقدّر الخسائر المباشرة في البنية التحتية بين 60 و200 مليار دولار.

 

سبب هروب المستثمرين واضح؛ فهم يبحثون عن الأمان. فعندما يرون دولة متورطة مباشرة في الحرب وتصبح هدفًا مشروعًا بسبب دعمها اللوجستي والعسكري للعدوان، لم تعد تلك الدولة «جنّة آمنة للاستثمار». يمكن القول إن «علامة دبي التجارية»، التي بُنيت وسُوّقت لسنوات، تضررت بشدة خلال أسابيع قليلة.

 

الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها الإمارات تجاوزت التوقعات، ولذلك لجأت في الأيام الأولى لوقف إطلاق النار إلى الولايات المتحدة التي أوقعها في هذه الأزمة، وطلبت خطوط مبادلة نقدية (تمكين الوصول إلى الدولار في حالات الأزمة). وأفادت وسائل الإعلام أن الإمارات حذرت بشكل غير رسمي: إذا لم تُزودونا بالدولار، سنضطر لتحويل تعاملات النفط إلى اليوان الصيني؛ تهديد خفي لكنه جدي.

 

 لماذا الإمارات حسّاسة تجاه الصدمات الجيوسياسية؟

 

أظهر تقرير حديث لصندوق النقد الدولي سبب تعرض اقتصاد الإمارات لارتفاع الحساسية تجاه عدم اليقين الإقليمي:

 

اعتماد كبير على التجارة البحرية؛ أكثر من 90٪ من الواردات تصل عبر البحر

 

– حصة عالية للسياحة في الاقتصاد؛ معرضة جدًا للصدمات النفسية

 

– اعتماد كبير على تدفقات الاستثمار الأجنبي؛ تتأثر قرارات المستثمرين بشدة بمستوى المخاطر

 

– المشاريع الكبرى التي تتطلب تمويلًا دوليًا

 

– اعتماد نسبي على إيرادات الطاقة، مما يجعل تقلبات أسعار النفط مؤثرة.

 

تؤدي هذه العوامل إلى أن الصدمات الأمنية تؤثر على عدة قطاعات في آن واحد، مما يزيد من شدة الضغوط الاقتصادية. لذلك، يرى المراقبون أن الحرب وعدم اليقين الجيوسياسي يخلق «مخاطر متعددة الطبقات» للإمارات تؤثر على التجارة والسياحة والأسواق المالية والتوقعات الاقتصادية، مع تأثير على المدى القصير والمتوسط على النمو الاقتصادي.

 

 الدول العربية الأخرى؛ الخاسرون الرئيسيون

 

الإمارات ليست وحدها؛ فالدول العربية الأخرى التي تحالفت مع الولايات المتحدة أو استُهدفت القواعد الأمريكية فيها، تكبدت خسائر متفاوتة.

 

باستثناء الولايات المتحدة، التي هي الخاسر الأكبر في العدوان العسكري ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث يُظهر الإحصاء الاقتصادي أن الحلفاء الإقليميين للبيت الأبيض، الذين ودعوا ترامب بالهدايا الثمينة العام الماضي، الآن يواجهون تبعات الحرب.

 

لقد أعطى العدوان الأمريكي ضد إيران درسًا مُرًا وواقعيًا لبعض الدول العربية: أن التحالف مع الولايات المتحدة لم يعد ضمانًا للأمن ولا ربحًا اقتصاديًا؛ لقد تغير النظام القديم للمنطقة إلى الأبد، وإذا أرادت المنطقة تحقيق نمو اقتصادي، يجب أن يكون ذلك لجميع اللاعبين الإقليميين. الخاسرون الحقيقيون هم أولئك الذين اعتبروا الولايات المتحدة منقذهم بالأمس، واليوم وجدوا أنفسهم وحيدين تحت أنقاض الأزمة الاقتصادية.

 

 

المصدر: ارنا