ومن على منبر صلاة الجمعة بطهران التي أقيمت في جامعة طهران، قال حجة الاسلام “أبو ترابي فرد” : في الخطب السابقة ناقشنا الدفاع المقدس من زوايا مختلفة، واليوم سأتناوله من زاوية أخرى. على مر تاريخ البشرية، لعبت القوى الناشئة دورا حاسما في انهيار المجتمعات أو تقدمها، وهذه القوى تولد من رحم النار والدم.
وأضاف موجها كلامه للقوات المسلحة وقادتها: أنتم صانعو مستقبل تاريخ المجتمعات البشرية. من يعيش الحرب عن كثب ويتخذ القرارات تحت النار، يخوض أقسى مراحل الاختبار وأكثرها بنّاءة وانتاجية.
وتابع: نحن اليوم نمر في اكثر مراحل تاريخنا حساسية، حيث ان الشعب الايراني يخوض حربا مع أمريكا. الحروب الأولى والثانية والثالثة التي فُرضت على هذا البلد، قدّمت كل منها صورة خالدة لإيران. الإيرانيون في هذه الميادين الصعبة تساموا، فكانوا يقفون بين نصر عزيز وشهادة مرموقة.
وخاطب القادة العسكريين قائلا: تعالت اسماءكم وتباركت أيها القادة الشجعان: عبد الرحيم موسوي، محمد باكبور، الشهيد نصير زاده، فانتم رجال صنعتم العزة لإيران. كشفت الحرب الثالثة، حرب رمضان التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، أن إيران لم تنهار أمام عدوان قوتين نوويتين وحلفائهما.
وأوضح ان “العالم ادرك عظمة الشعب الايراني بكافة اطيافه في ميادين القتال والدبلوماسية والشوارع، ولا يزال يتعرف عليه أكثر فأكثر”.مضيفا ان “العالم عرف إيران ليس فقط في إطار السياسة والأمن والقوة النابعة من نيران المسيّرات والصواريخ، بل في إطار التاريخ والمجتمع والفكر والعقلانية والمعرفة والإيمان والأخلاق والإرادة والوحدة والحكم المنبثق من الإرادة الوطنية والتعاليم الدينية، ومن الاستقلالية والفخر التاريخي والتماسك الاجتماعي والإرادة الجماعية للإيرانيين”.
وشدد خطيب جمعة طهران على أن “هذه الحرب كشفت القيم السامية التي يتمتع بها الشعب الايراني العظيم وجعلتها تتجلى أمام المجتمع الدولي. كما ان العالم اظهر احترامه لجيشنا وحرسنا الثوري، وادى التحية العسكرية اجلالا وتقديرا لهم.”
وأضاف: “الحرب الثالثة فضحت الوجه القبيح والخبيث للاستكبار العالمي والديمقراطية الليبرالية الأمريكية، وأظهرت استنزاف آلة الحرب لأقوى قوة عسكرية في العالم. وجعلت المجتمع الدولي يكره أمريكا وكيانها الصهيوني، ويهتف بذلك امام الملأ.
وتابع: الصمود أمام أثقل آلة عسكرية في العالم، التي يتجاوز ميزانيتها 100 مرة ميزانية قواتنا المسلحة، لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان حدثا ثقافيا وعلميا كبيرا، ومعرضا للمعرفة والتكنولوجيا والعزيمة والصمود الإيراني.
وأشار إلى أن “هذه الحرب أعادت قراءة عظمة وقوة ووحدة قيادة قوات محور المقاومة. وهذا القول لا يعني إنكار التضحيات الجسيمة التي لحقت بالمظلومين من النساء والرجال والأطفال والشخصيات السياسية والعسكرية. بل بالعكس، فالمقاومة، في نهاية المطاف، لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما يكون لها ثمن باهظ.
وأكد: إيران دفعت ثمنا، لكنها لم تنهار أمام اعتداء قوتين ذريتين وحلفائهما؛ صمدت وردّت وكشفت بنيتها الداخلية القوية. العالم عرف هذه الحقيقة، وأصحاب الفكر والعقل كرروها مرارا.
واستطرد: ما تعرض للاعتداء في هذه الحرب هو جزء من الذاكرة التاريخية والاستمرار الحضاري لإيران. إيران في هذه اللحظات التاريخية الحساسة ليست مجرد دولة معاصرة، بل أرض حضارية تمتلك قرونا من الأدب والشعر الملحمي والعمارة والطقوس الدينية والفنية والتخطيط الحضري العمراني.
وقال: أمريكا أرادت محو إيران اليوم، لكنها دون قصد أعادت إلى الأذهان ماضي إيران المجيد، وأعطت حياة جديدة للملحمة الإيرانية الناطقة بالفارسية.
وأضاف خطيب جمعة طهران: في هذه الأيام، لم تظهر إيران عزّتها في ميداني الحرب والسياسة فقط، بل صمدت أيضا في ميدان الحياة. طواقم الطوارئ، الهلال الأحمر، الكوادر العلاجية، الممرضون، الأطباء، المعلمون، رجال الإطفاء، العمال (عمود الفقري للاقتصاد الوطني)، شرطة المدن، رؤساء البلديات، وقبلهم جميعاً الأمة الإيرانية في الشارع، وقفوا جميعا معا.
*الحكومة وقفت إلى جانب الأمة والقوات المسلحة في الحرب
وأشار إلى أن الحرب الثالثة جسّدت قوة الحكومة والحكم المنبثق من داخل الشعب. قائلا: الحكومة التي تقف بكفاءة وحزم الى جانب شعبها، في اوقات الازمات هي جزء محوري من الصمود الوطني. في هذه الفترة الحساسة والحرجة، وقفت الحكومة الى جانب الشعب والقوات المسلحة، لم تكتفِ بالوقوف، بل احتضنت الشهادة وقد سارع سياسيونا إلى الترحيب بالشهادة قبل غيرهم.
وأكد أن “أسمى وأرقى نقطة يجب أن التنويه بها هي إيران العقلانية والأخلاقية التي خرجت من رحم الحرب التي بدورها تكشف القدرات الأخلاقية للمجتمع وتعمل على تعزيز القوة الداخلية، وتقوية الروابط الوطنية والدينية، وزيادة رأس المال الاجتماعي. وبالتالي، كانت إيران عند حسن ظن القائد الشهيد الذي طالما رآها هكذا.
*الشهيد عبد الرحيم موسوي نموذج رفيع لقائد عسكري
وقال خطيب جمعة طهران حجة الإسلام “محمد حسن أبوترابي فرد”، ان الشهيد العظيم عبدالرحيم موسوي يمثل شخصية فذة كنموذج لقائد عسكري تربى على القرآن والعترة ونهج البلاغة وهو جندي مخلص وعالم صادق ونزيه لإيران والإسلام.
كما تطرق “حجة الاسلام ابو ترابي فرد” الى حادثة يوم 14 ايار/مايو 1891 م (24 أرديبهشت 1270ه.ق)، اليوم الذي ألغت فيه فتوى آية الله ميرزا شيرازي امتيازات التبغ من البريطانيين، قائلا: ان هذا اليوم يذكرنا بحدث عظيم في التاريخ الوطني والديني والسياسي والاجتماعي لإيران؛ حدث كشف عن القوة الفريدة والاستثنائية للفقه والتدين في التحولات الجذرية للمجتمع.
وأوضح أن هذا اليوم يخلد الدور العميق والأصولي والبرهاني للأستاذ المسلم البارز في مدرستي النجف الأشرف وسامراء الفقهيتين، العالم الفقيه والعارف الإيراني الشهير، آية الله العظمى الحاج ميرزا حسن الشيرازي (رض).
وأشار إلى أن “هذا الحدث أثبت مكانة الدين البارزة في التحولات الاجتماعية والسياسية، وكيف يمكن للفقه المنبثق من مدرسة الإمام الصادق (ع) أن يمهد الطريق لتسامي المجتمعات البشرية ويحررها من المآزق السياسية والاجتماعية الصعبة”.