كان ترامب يأمل في الحصول على تنازلات كبيرة من بكين مدفوعاً بامتلاكه ملف “النصر على إيران”؛ لكن المقاومة وقدرة الصمود العالية لطهران حرمتاه من هذه الفرصة. ولهذا السبب، عاد الرئيس الأمريكي عملياً إلى واشنطن دون تحقيق أي إنجاز ملموس بشأن إيران. وخلف صور الابتسامات، والمشي في حدائق بكين التاريخية، والثناء الدبلوماسي، كانت هناك حقيقة أكثر مرارة تختبئ في الكواليس: الصين رفضت الوقوف إلى جانب ترامب في الملف الأكثر حساسية لأمريكا حالياً، وهو ملف إيران.
لقد توجه ترامب إلى الصين واضعاً أمامه عدة أهداف محددة، أولاً: كان يريد إقناع بكين بالضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز وتقليل ضغط الطاقة على الاقتصاد العالمي. ثانياً: كان البيت الأبيض يأمل أن تتمكن الصين من إجبار إيران على التراجع عن شروطها في المفاوضات، لاسيما في القضايا النووية والأمن الإقليمي. ثالثاً: كانت واشنطن تسعى للحدّ من الدعم الصيني الخفي أو شبه الخفي للقدرات الصناعية والصاروخية والاقتصادية لإيران؛ لكن نتائج الزيارة أظهرت أن الصين ليست مستعدة للمساومة على حساب إيران فحسب، بل إنها ترى أساساً في انخراط أمريكا في حرب استنزاف جزءاً من تآكل قوة منافسها.
والحقيقة هي أن حرب الأربعين يوماً، وخلافاً للحسابات الأولية لترامب، لم تتحول إلى نصر لأمريكا. فقد تصورت إدارة ترامب أن الهجوم العسكري والعقوبات والتهديدات غير المسبوقة يمكن أن تجبر طهران على التراجع في فترة قصيرة؛ لكن واشنطن تجد نفسها الآن في وضع لم تتمكن فيه من تحقيق أهدافها الرئيسية، ولم تجد طريقاً منخفض التكلفة للخروج من الأزمة. إنّ استمرار القيود في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، والضغط التضخمي في أمريكا، وتراجع شعبية ترامب، كلها مؤشرات أثارت قلقاً عميقاً في البيت الأبيض.
في ظل هذه الظروف، تصور ترامب أن الصين ربما تكون مستعدة للتعاون مع أمريكا بشأن إيران من أجل الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي؛ لكن بكين تملك رؤية مختلفة؛ فبالنسبة للصين، لا تعدّ إيران مجرد شريك في مجال الطاقة، بل هي حليف استراتيجي وجزء من ميزان قوى أكبر في مواجهة أمريكا. ويعلم القادة الصينيون جيداً أنه كلما استُنزفت أمريكا أكثر في غرب آسيا، قلّ تركيزها وقدرتها على احتواء الصين في شرق آسيا. ولهذا السبب، لا تملك بكين أي دافع لتهدي ترامب نصراً جيوسياسياً في الوقت الراهن.
وقد كشف سلوك الصين خلال الزيارة عن هذه الحقيقة تماماً. فبعد لقائه مع شي جين بينغ، لم يتمكن ترامب إلا من الإشارة إلى جمل عامة؛ مثل أن الصين تريد أن يظل مضيق هرمز مفتوحاً أو أنها لا توافق على امتلاك إيران للسلاح النووي، وهي مواقف سبق وبكين أن عبرت عنها مراراً؛ لكن لم يظهر أي مؤشر على التزام عملي من جانب الصين للضغط على طهران. وحتى في البيانات الرسمية الصينية، طُرح موضوع إيران بلغة حذرة للغاية، وتجنبت بكين عملياً الدخول المباشر في مطالب واشنطن.
ويُعدّ هذا الأمر فشلاً سياسياً لترامب؛ لأنه بحاجة ماسة إلى نجاح داخلي في أمريكا. إن ارتفاع أسعار الوقود، وقلق الأسواق، وضغوط الجمهوريين بشأن الانتخابات النصفية، جعلت البيت الأبيض يبحث عن أي إنجاز خارجي ليظهر أنه مازال يسيطر على الأوضاع؛ لكن عودة ترامب من الصين، دون اتفاق محدد بشأن إيران، أظهرت أن القوة الاقتصادية الأكبر في آسيا ليست مستعدة هي الأخرى لدفع ثمن إنقاذ الحكومة الأمريكية من أزمتها الحالية.
في الواقع، ركزت الصين في هذه الزيارة أكثر على مصالحها طويلة المدى. كانت بكين تسعى لتقليل التوتر التجاري، ومنع تصعيد حرب التعريفات الجمركية، وكسب نقاط في ملف تايوان، بل إن بعض التقارير تشير إلى أن الصين حاولت استغلال حاجة ترامب للتعاون من أجل الحصول على تنازلات في قضية تايوان والحد من مبيعات الأسلحة الأمريكية لهذه الجزيرة. وهذا يعني أنه في نظر بكين، لا تعد إيران مجرد ملف إقليمي، بل هي جزء من معادلة أكبر في التنافس الاستراتيجي بين الصين وأمريكا.
من جهة أخرى، اكتسبت إيران أيضاً موقعاً مختلفاً في هذه المعادلة مقارنة بالماضي. فقد أثبتت طهران أنها ليست مستعدة للتخلي عن شروطها تحت ضغط الحرب والتهديد. وهذا الأمر جعل أمريكا عاجزة عن الوصول إلى النتيجة المطلوبة بمجرد استخدام الأدوات العسكرية أو الضغط الاقتصادي، كما كان يحدث في العديد من أزمات الماضي. وتواجه واشنطن الآن وضعاً تكون فيه أي خيارات متاحة مكلفة بالنسبة لها؛ فاستمرار الحرب يفرض ضغطاً اقتصادياً أكبر على أمريكا، والتراجع سيعني القبول بالهزيمة.
لهذا السبب، كانت زيارة ترامب إلى الصين، بدلاً من أن تكون استعراضاً للقوة، مؤشراً على المأزق الاستراتيجي لأمريكا في ملف إيران. كان الرئيس الأمريكي يأمل أن تجد بكين طريقاً لفك قفل الأزمة؛ لكن الصين فضلت البقاء في موقع المتفرج والاستفادة من استنزاف منافسها. وفي نهاية الزيارة، لم يُفتح مضيق هرمز، ولم تحقق المفاوضات أي تقدم، ولم تتراجع إيران عن مواقفها.
الآن عاد ترامب إلى واشنطن، في حين لا تزال الأزمات نفسها قائمة؛ لكن مع فارق واحد، وهو أنه بات واضحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى أن أمريكا، وحتى لحل الأزمة التي بدأتها بنفسها، تحتاج إلى دعم القوى التي تُعدّ من منافسیها الرئيسيين في العالم.